نجح المحتلون، عبر محطات الصراع الممتدة خلال ما يزيد على سبعة عقود، في استدراجنا إلى الساحة التي يحققون فيها تفوقًا حاسمًا ومضمونًا؛ فمنذ أن أُجهضت انتفاضة الشعب عام 1987 قبل أن تؤتي ثمارها، نصب المحتلون لنا فخاخًا وقعنا فيها جميعًا: فصائل، وحركات، وقوى، وفعاليات، ورأيًا عامًا، وإعلامًا، ومنظّرين، ومؤسسات تعليمية ودينية وثقافية واجتماعية، عبر جرّنا إلى العنف المسلح، في التوقيت الذي اختاره الاحتلال، والساحة التي أرادها.
إذ جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي استطاع المحتلون خلالها جرّنا جميعًا إلى مربعهم القادر على تحقيق إنجازات سياسية حاسمة، وترسيخ قاعدتهم المقدسة: "أرض أكثر وعرب أقل". فقد نجح المحتلون، خلال انتفاضة الأقصى، في حقن الرأي العام الفلسطيني بكل مقومات العسكرة، عبر خطاب شعبوي يمجّد شكلًا أحاديًا للمقاومة، ويُقصي أي دعوة للمراجعة ونقد الأداء وترشيده، ليتم نقل الصراع إلى ساحة عسكرية مفتوحة، في توقيت وسياق اختارهما المحتلون بعناية، بما مكّنهم من تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية عميقة.
وفي هذا السياق، لم تكن عسكرة الانتفاضة مجرد خيار ميداني، بل تحولت إلى حالة ذهنية عامة، جرى من خلالها إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني. فقد ساد خطاب شعبوي يُمجّد الفعل المسلح بوصفه الخيار الوحيد، ويُقصي كل دعوة إلى المراجعة أو العقلنة باعتبارها تعبيرًا عن ضعف أو تراجع. وتكامل هذا الخطاب مع أداء إعلامي وحركي ورسمي ساهم، بدرجات متفاوتة، في تكريس رؤية أحادية للمقاومة، الأمر الذي أدى إلى تضييق المجال أمام أي نقاش نقدي حقيقي حول جدوى الأدوات المستخدمة ومآلاتها.
ولم تكن نتائج هذه المرحلة بحاجة إلى تحليل معقّد لإدراك آثارها؛ فقد أفضت انتفاضة الأقصى إلى تحولات عميقة في بنية الصراع، تجلت في بناء جدار الفصل، وتسارع الاستيطان، وتعميق تهويد القدس، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية بما يخدم مشروع المحتلين وأجندتهم. كما ساهمت في صعود اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل، مقابل تراجع غير مسبوق لقوى اليسار، وانكماش أي أفق سياسي تقدمي داخل المجتمع الإسرائيلي. بل إن حالة الانقسام الدامي التي ابتدأت عام 2007 هي أحد مخرجات حالة العسكرة التي سادت منذ الانتفاضة؛ ذلك الانقسام الذي تمّت تسميته بـ"الحسم العسكري"، والذي أكد أن أولويات جهات نافذة في المجتمع الفلسطيني ليست أولويات الشعب، وإنما تمجيد عسكرة المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والشعب والقضية.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر بوصفها لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والتي يحاجج البعض بأنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكسرت وهم "الاستقرار" الذي ساد في السنوات التي سبقتها. إلا أن قراءة مآلات هذه العملية، بعيدًا عن العاطفة والتنظير والاستقطاب الحزبي، تُظهر أنها فتحت الباب أمام مرحلة أكثر قسوة على الشعب الفلسطيني، وعلى عدد من الشعوب العربية.
وفي المقابل، شهدت فلسطين، وشعبنا، وأجيالنا، وخاصة قطاع غزة، تصعيدًا غير مسبوق في مستويات العنف، وصل إلى حد الإبادة الجماعية للبشر والحجر والمياه والمؤسسات، وكل مقومات الحياة في القطاع. وها هو الاحتلال يعيد احتلال ما يزيد على نصف قطاع غزة، ويتحكم بكل ما يدخل إلى القطاع من دواء وطعام وهواء.
إن التأكيد على أن المقاومة حق وواجب لا ينبغي أن يُختزل في تبني مسار واحد، أو في تحصينها ضد النقد والمراجعة. فالمقاومة الواعية هي التي تخضع باستمرار للمتابعة والمراقبة والتقييم العقلاني، وتُعيد النظر في أدواتها وفق معايير الفاعلية والكلفة والمآلات.
إننا أمام مفترق حقيقي، لا بين خيارات متعددة، بل بين مسارين: مسار يُفضي إلى تعزيز البقاء والصمود، وآخر يفتح الباب أمام التآكل والتفكك. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون التردد خيارًا، بل يصبح القرار الواعي مسؤولية تاريخية.
ג 24 מרץ 2026 10:31 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
فائض التضحية وفشل الإنجاز: أزمة العقل السياسي الفلسطيني