ג 24 מרץ 2026 10:31 am - שעון ירושלים

بين القوة والقيمة: هل يكتب نتنياهو روايته على خطى جنكيز خان؟

ليست كل العبارات التي تُطلق في السياسة زلات لسان، وبعضها يُقال بعناية ليكشف أكثر مما يخفي، فكلام نتنياهو  نقلا عن المؤرخ دورانت يُفهم على انها مساواة بين السيد المسيح عليه السلام وجنكيز خان.
كلمات تكشف عن رؤية أعمق من مجرد استفزاز، بل إعادة تعريف القيمة الإنسانية والتاريخية وفق معيار واحد، من يترك أثرا بغض النظر عن طبيعته، فلا تعود القيم مركز الحكم، بل النتائج.
المسيح، في الوعي الديني والتاريخي، يمثل نموذجا أخلاقيا قائما على الرحمة والتسامح، فتأثيره لم يكن نتيجة سلطة او قوة، بل نتيجة فكرة استقرت في وجدان البشر عبر قرون، بينما جنكيز خان يمثل نموذج القوة والقتل والتي أعادت رسم خرائط العالم عبر الدم.
المشكلة ليست في القول ان كليهما ترك أثرا، بل في المساواة بين أثرين مختلفين والمساواة بين فكرة تنتشر بالقناعة واخرى تفرض بالقوة، ما يجعل من المقارنة إهانة حتى لو كانت ضمنية.
استدعاء الكلام في خطاب سياسي يحوله الى اداة تبرير، وهنا تكمن الخطورة، متجاوزة الفكرة إلى استخداماتها، ويبقى السؤال عن سبب استدعاء الفكرة الأن؟
الاجابة لا تنفصل عن واقع سياسي وعسكري حيث يقود نتنياهو حروبا في الاقليم بدعوى الدفاع عن الحضارة والقيم الغربية، من غزة الى لبنان وسوريا، وصولا إلى ساحات اوسع تشمل اليمن وايران، وذلك كله بدعم سياسي وعسكري ومالي معلن من امريكا ودول غربية كلها ذات خلفية مسيحية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، فنتنياهو يستند في قوته وعلوه الى منظومة تشكلت تاريخيا تحت تاثير تعاليم المسيح، ثم يعود ليستخدم طرحا يقلل من قيمة هذا الاساس، ما يتجاوز موضوع التناقض الى النكران.
والامر هنا يتجاوز موضوع الاهانة ليفتح الباب لسؤال اخر، هل اخطأ في التوصيف او الاستدلال ام انه كشف - بقصد او بدون - عن معالم الطريق الذي يمضي فيه؟
ليس من الصعب اعتبار كلام نتنياهو وفعله اعترافا صريحا بانه يسير على خطى جنكيز خان، حتى لو رأى البعض خلاف ذلك، فلا يمكن تجاهل تركيزه على موضوع الأثر أيا كان الثمن، والذي يفهم منه أنه تبنٍّ او إعجاب في حده الأدنى، وبكلمات أخرى، فحتى لو لم يعترف صراحة بأنه يسير على جنكيز خان، لكنه جعل منه مشروعا او مفهوما على الأقل.
فجنكيز خان بنى امبراطوريته فوق انهار من الدم وجبال من الجماجم، ورغم ان هذا المنطق اليوم بات اكثر تعقيدا ويقوم على التحالفات والتفوق العسكري وفتح جبهات متعددة، الا ان القاسم المشترك هو اعادة تشكيل الواقع عبر القوة والدم حصرا.
وهنا تحديدا تكمن الاشكالية، اعادة تعريف الشرعية بمنطق القوة لا القيم، لكنه منطق يغفل حقيقة تاريخية قاسية، فكل مشروع يقوم على القوة وحدها ومهما بدا صلبا وقويا وممتدا، فانه يحمل في باطنه بذور زواله.
فامبراطورية جنكيز خان التي بلغت بالغ القوة زالت لان القوة التي صنعتها لم تكن كافية لاستدامتها، وهذا هو الدرس التاريخي الأهم، فالاستدامة تتطلب جعل هذا النظام مقبولا أخلاقيا بدرجة ما.
وبالتالي فان مقولة نتنياهو تضع مشروعه في خانة اليك، فهو يعترف ان القوة هي ما تمنحه القدرة على الفعل وهي الاساس الوحيد لصناعة اللحظة التاريخية، لكنه بذات المنطق، منطق التاريخ، يضع مشروعه ايضا في اختيار الزمن، والتاريخ يقدم جوابا شافيا، لكن يبقى ليس دائما من انتصر، بل من أوجد الاثر.
وبين من حكم بالسيف ومن حكم بالفكرة، يبقى السؤال الذي لا يمكن لاي قوة أن تتجاوزه: ماذا سيبقى عندما تسكت اصوات المدافع؟ القوة، أم الأثر الذي خُلق ليبقى دون الحاجة للقوة؟


תגים

שתף את דעתך

بين القوة والقيمة: هل يكتب نتنياهو روايته على خطى جنكيز خان؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.