دخلت العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية بعد قطيعة وتوترات استمرت لنحو 28 شهراً، إثر الخلافات العميقة حول ملف الصحراء. وتشير التقارير إلى أن البلدين تجاوزا مرحلة الغضب الدبلوماسي، حيث بدأت ملامح التقارب تظهر بوضوح من خلال التنسيق في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
ومن المقرر أن يزور وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، العاصمة الجزائرية خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس الجاري. وتعد هذه الزيارة الرسمية الأولى له منذ توليه منصبه، وتهدف بشكل أساسي إلى كسر الجمود الدبلوماسي الذي خيم على علاقات البلدين منذ عام 2022.
تتضمن أجندة الزيارة المرتقبة وضع اللمسات الأخيرة للتحضير لقمة رفيعة المستوى ستجمع بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ويسعى الطرفان من خلال هذه القمة إلى إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار التي عُلقت خلال فترة الأزمة.
على صعيد الملفات الأمنية، شهدت الأشهر الماضية لقاءات مكثفة بين وزراء داخلية البلدين للتعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط. وقد اتفق الجانبان على استئناف البروتوكول الثنائي الخاص بمكافحة الهجرة، وتفعيل آليات تبادل البيانات البيومترية للمهاجرين.
وتكشف الإحصائيات الرسمية عن وصول نحو 3900 مهاجر إلى جزر البليار الإسبانية على متن 224 قارباً انطلقت من السواحل الجزائرية خلال صيف 2025. ويمثل هذا الرقم زيادة ملحوظة تتجاوز 105% مقارنة بالتدفقات نحو جزر الكناري، مما استدعى تنسيقاً أمنياً عاجلاً بين مدريد والجزائر.
وفي سياق متصل، تلعب الوساطة الأمريكية دوراً نشطاً في تقريب وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية العالقة، وعلى رأسها ملف الصحراء. وقد استضافت السفارة الأمريكية في مدريد جولات من المحادثات السرية التي ضمت أطرافاً إقليمية بهدف التوصل إلى تفاهمات مستدامة.
يمثل أمن الطاقة المحرك الأساسي لهذا التقارب، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على الأسواق العالمية. وتطمح مدريد إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر لضمان تدفقات مستقرة من الغاز الطبيعي بأسعار تنافسية بعيداً عن تقلبات السوق الدولية.
تدرس مدريد بالتعاون مع شركة ناتورجي إمكانية زيادة حجم واردات الغاز الطبيعي من الجزائر لتأمين إمداداتها بأسعار تنافسية وتقليل الاعتماد على المصادر الأمريكية.
أظهرت بيانات وزارة التحول البيئي الإسبانية أن الجزائر استعادت مكانتها كمورد أول للغاز إلى إسبانيا خلال عام 2025. وبلغ حجم الصادرات الجزائرية نحو 128,502 جيغاواط/ساعة، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية بحصة سوقية بلغت 34.56%.
تدرس الحكومة الإسبانية حالياً خطة لرفع كفاءة خط أنابيب 'ميد غاز' الذي يربط الجزائر بمدينة ألمرية الإسبانية مباشرة. وتهدف الخطة إلى تشغيل الخط بكامل طاقته الاستيعابية التي تصل إلى 32 مليون متر مكعب يومياً لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
تشير مصادر اقتصادية إلى أن التدفقات اليومية عبر 'ميد غاز' سجلت متوسطاً قدره 28 مليون متر مكعب خلال الشهرين الأولين من العام الجاري. ويعكس هذا الارتفاع رغبة مدريد في الاعتماد على الغاز الجزائري كبديل استراتيجي وموثوق في ظل التوترات الدولية.
سجلت صادرات الغاز المسال الجزائري قفزة نوعية خلال النصف الأول من شهر مارس الجاري، حيث تجاوزت 462 ألف طن. ويمثل هذا الرقم نمواً بنسبة 74% مقارنة بالفترة ذاتها من شهر فبراير، مما يؤكد قدرة الجزائر على تلبية احتياجات السوق الأوروبية.
تأتي هذه التحركات الإسبانية في وقت تشهد فيه العلاقات بين مدريد وواشنطن نوعاً من الفتور السياسي. ويرجع ذلك إلى تباين المواقف بين رئيس الوزراء بيدرو سانشيز والإدارة الأمريكية الحالية بشأن عدد من الملفات الساخنة في المنطقة، بما في ذلك الموقف من إيران.
تسعى الدبلوماسية الإسبانية من خلال الانفتاح على الجزائر إلى تحقيق توازن استراتيجي يقلل من ارتهانها للسياسات الأمريكية المتقلبة. ويرى مراقبون أن تعزيز الروابط مع الجزائر يمنح مدريد هامش مناورة أكبر في السياسة الخارجية والأمن الطاقي الأوروبي.
ختاماً، يمثل هذا التقارب الجزائري الإسباني تحولاً مهماً في الخارطة السياسية لغرب المتوسط، حيث تغلبت المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة على الخلافات السياسية. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توقيع اتفاقيات تعاون جديدة تشمل قطاعات التكنولوجيا والاستثمار المتبادل.





שתף את דעתך
انفراجة في العلاقات الجزائرية الإسبانية: الطاقة والهجرة تنهيان أزمة الـ 28 شهراً