א 22 מרץ 2026 2:04 pm - שעון ירושלים

الدراما كأداة سياسية: كيف تعيد السلطة في مصر صياغة رواية الأحداث؟

على مدار أكثر من عقد من الزمان، لا تزال السلطة الحالية في مصر تواجه تحدي تسويق شرعيتها السياسية وتجاوز إرث ثورة يناير وما تلاها من أحداث. ويبدو أن كوابيس الحراك الشعبي لا تزال تلاحق رأس النظام، الذي يجد نفسه مضطراً في كل مناسبة للدفاع عن موقفه ونفي تهم التآمر أو القتل، في حالة تشبه الصراع النفسي التاريخي مع ضحايا القمع.

لم تكتفِ السلطة باستخدام الأدوات القمعية الخشنة من سجون واعتقالات وتصفيات جسدية لإقصاء خصومها، بل اتجهت بقوة نحو توظيف 'القوة الناعمة'. وتمثل الدراما والإعلام الركيزة الأساسية في محاولة إعادة تصميم سردية كاملة تنفي صفة الحراك الشعبي عن أحداث عام 2013، وتصمها بالإرهاب والعمالة بهدف إسقاط الدولة.

تعتمد الاستراتيجية الإعلامية الحالية على استعارة أدوات نظام مبارك القديمة، عبر التركيز على شيطنة جماعة الإخوان المسلمين لتسهيل مواجهتها وتخويف المجتمع الدولي. ورغم أن النظام الحالي أشاد بالثورة في بداياته وضمنها في دستور 2014، إلا أنه سرعان ما انقلب على هذا الخطاب بعد تثبيت أركان حكمه.

تحول الخطاب الرسمي تدريجياً لوصف المشاركين في الحراك الشعبي بالخونة أو المخدوعين، مع تبني رواية تعتبر الثورة عملاً تخريبياً استهدف هدم المؤسسات. وقد تم توجيه السهام مباشرة نحو القوى السياسية المعارضة باعتبارها المسؤولة عن كافة الأزمات التي مرت بها البلاد، في محاولة للتنصل من المسؤولية السياسية.

سعت الماكينة الإعلامية لتحميل فترة حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، التي لم تدم سوى عام واحد، مسؤولية كافة الأزمات الاقتصادية والسياسية اللاحقة. ويشمل ذلك الديون الخارجية التي قفزت من 43 مليار دولار إلى أكثر من 170 مليار دولار، وأزمة سد النهضة التي تفاقمت بعد توقيع اتفاقية المبادئ في 2015.

تراهن السلطة في مصر على عامل الوقت وتراكم الهموم المعيشية لدى المواطنين لدفعهم نحو نسيان الحقائق التاريخية التي عاصروها. ومن هنا تأتي أهمية الإنتاج الدرامي المكثف، مثل سلسلة 'الاختيار' وغيرها، لتقديم رواية أمنية أحادية الجانب تلغي أي صوت معارض أو رواية بديلة.

في الموسم الرمضاني الأخير، برز مسلسل 'رأس الأفعى' الذي يتناول شخصية القيادي محمود عزت، كأحدث حلقات هذا التوظيف السياسي للدراما. ويبدو أن نجاح عزت في التخفي داخل القاهرة لسبع سنوات قد شكل إحراجاً أمنياً دفع السلطة لمحاولة استعادة زمام المبادرة عبر عمل فني يشوه مسيرته.

يحاول المسلسل تقديم الحراك المناهض للسلطة بعد عام 2013 كأعمال إرهابية محضة، متجاهلاً الطبيعة السلمية للغالبية العظمى من التظاهرات والاعتصامات. ويتم التركيز على بعض التجاوزات الفردية أو الاستثنائية لتصويرها كمنهج عام للحراك الشعبي، وربطها مباشرة بقيادات سياسية بعينها.

تعاني السردية الدرامية التي تنتجها الأجهزة الأمنية من مغالطات تاريخية فجة وخلط متعمد بين التيارات السياسية المختلفة. فالمسلسل يدمج بين الإخوان المسلمين وتنظيمات مثل 'داعش' و'القاعدة' رغم العداء الفكري والتنظيمي المعروف بين هذه الأطراف، بهدف وصم الجميع بصبغة الإرهاب.

من أبرز الأخطاء التاريخية التي وقع فيها العمل الدرامي هو الزعم بأن محمود عزت شارك في تخزين أسلحة عام 1948، رغم أنه كان طفلاً في الرابعة من عمره حينها. وتناسى صناع العمل أن تلك الأسلحة كانت موجهة لمقاومة العصابات الصهيونية في فلسطين، وهو ما يمثل فخراً وطنياً لا تهمة إرهابية.

تمثل هذه السردية الأمنية كارثة وطنية لأنها تكشف عن خلل في فهم السلطة لخارطة المجتمع والقوى السياسية الفاعلة. وهذا الفهم الخاطئ يؤدي بالضرورة إلى سياسات معيبة تزيد من تأزيم المشهد السياسي والاجتماعي، وتغلق أبواب الحلول السلمية للأزمات القائمة.

إذا كانت السلطة تدرك زيف هذه الرواية وتستهدف فقط المكاسب الآنية، فإنها ترتكب جريمة تضليل متعمد بحق الشعب المصري. ومع توفر وسائل إعلام بديلة ووجود شهود أحياء على الأحداث، فإن هذه المحاولات لتزييف الوعي لن تصمد طويلاً أمام الحقائق الموثقة.

تسعى الدراما الأمنية أيضاً لتبييض وجه أجهزة الأمن ومحو الصورة الذهنية المرتبطة بالتعذيب والانتهاكات داخل مقار الاحتجاز. فالمسلسل يظهر المحققين بأسلوب حضاري بعيد كل البعد عن التقارير الحقوقية التي توثق استخدام أحدث تقنيات التعذيب والتجسس لانتزاع الاعترافات.

ختاماً، يخطئ من يظن أن أزمة السلطة تنحصر في تيار سياسي واحد، فالتاريخ المصري يظهر صراع الأنظمة المتعاقبة مع أي قوة شعبية مؤثرة. إن استمرار نهج القمع المغلف بالدراما المضللة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان، ولن يحل معضلة الحكم التي تتطلب مصالحة وطنية حقيقية.

תגים

שתף את דעתך

الدراما كأداة سياسية: كيف تعيد السلطة في مصر صياغة رواية الأحداث؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.