يرتبط شعار 'اجعل أمريكا عظيمة مجددا' (MAGA) بجذور تاريخية تعود لعهد الرئيس الراحل رونالد ريغان، قبل أن يعيد دونالد ترامب إحياءه كركيزة لحملاته الانتخابية. يعكس هذا الشعار رغبة أمريكية في استعادة السيطرة الاقتصادية التي بدأت تهتز منذ اكتشاف 'خدعة الدولار' في السبعينيات، حين أدركت دول العالم أن واشنطن تطبع عملتها دون غطاء ذهبي حقيقي.
لقد كان موقف الرئيس الفرنسي شارل ديغول عام 1970 نقطة تحول كبرى، حين رفض استبدال الذهب بالورق الأمريكي، مما هدد بانهيار الاقتصاد الأمريكي لولا تدخل دول النفط. ومن خلال اتفاقيات 'البترودولار'، تم ربط مبيعات الطاقة بالعملة الأمريكية، مما منح واشنطن قبلة حياة استمرت لعقود طويلة مكنتها من ممارسة نفوذ عالمي واسع.
تستند السياسات الأمريكية الحالية، خاصة لدى تيار المحافظين الجدد، إلى فلسفة ليو شتراوس الذي يشرعن ما يسمى 'الطغيان الطبيعي'. ترى هذه المدرسة أن للنخبة القوية حقاً طبيعياً في حكم الأغلبية والسيطرة على مقدرات الشعوب، وهو ما يفسر لجوء الإدارات المتعاقبة للقوة العسكرية لتأمين مصادر الطاقة والمعادن النادرة.
تتزايد حدة هذا 'الطغيان' مع شعور الولايات المتحدة بتراجع مركزها العالمي وبروز قوى منافسة مثل الصين التي تهدد العرش الاقتصادي الأمريكي. ويشير مراقبون إلى أن الذعر الوجودي من أفول النجم الأمريكي يدفع واشنطن لفرض تعريفات جمركية باهظة ومحاولة 'شفط' أموال الدول الأخرى لسد عجز الدين العام الذي تجاوز 38 تريليون دولار.
لقد حذر مستشار الأمن القومي الأسبق زبيغنيو بريجينسكي في كتابه 'فرصة ثانية' من إهدار الفرص التاريخية لقيادة العالم، داعياً لبناء تحالفات مع المنافسين. ومع ذلك، اختار الرؤساء الأمريكيون تجاهل هذه النصائح، مفضلين بناء ترسانة عسكرية ضخمة والسيطرة على الممرات الاستراتيجية تحت ذرائع واهية مثل أسلحة الدمار الشامل أو مكافحة الإرهاب.
إن حق القوي في الحكم هو مبدأ مستمد من الفلسفات القديمة التي تمنح النخبة حق السيطرة على العوام وقمعهم.
في منطقة الشرق الأوسط، تبرز إسرائيل كذراع أساسي لهذه السياسة، حيث تسعى واشنطن لتحويلها إلى قوة عظمى إقليمية تهيمن على جيرانها. وتتبنى الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو نظرية 'رعاية القوة'، مؤكدة أن الاتفاقيات الدبلوماسية لا تتحقق إلا من خلال التفوق العسكري والتكنولوجي الساحق.
تتجلى ملامح هذا التحالف في قرارات ترامب التي منحت إسرائيل السيادة على الجولان السوري المحتل، في خطوة تعكس منطق 'الهبة' لمن لا يملك. كما تعزز تصريحات المسؤولين الأمريكيين، مثل السفير مايك هاكابي، هذا التوجه عبر استدعاء نصوص توراتية لتبرير احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية بين النهرين.
تعتبر المواجهة الحالية مع إيران حلقة جديدة في سلسلة الحروب التي تهدف لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية المشتركة. ويسعى هذا المخطط لتجريد دول المنطقة من أي قدرات دفاعية حقيقية، مع الإبقاء على التفوق النووي الإسرائيلي كضمانة وحيدة للسيطرة على ما يسمى 'الشرق الأوسط الجديد'.
على الرغم من هذه الطموحات، تواجه إدارة ترامب انقسامات داخلية حادة، حتى ضمن حركة 'ماغا' نفسها، بسبب الانجرار وراء حروب نتنياهو الإقليمية. ويرى قطاع من المؤيدين أن العودة للحروب الخارجية تمثل خيانة لوعود 'أمريكا أولاً' التي نادت بتجنب النزاعات الدولية والتركيز على الشأن الداخلي.
في نهاية المطاف، يبقى الصراع بين إرادة 'الطغيان' والتحولات التاريخية العالمية قائماً، حيث لم يعد العالم يتقبل الهيمنة الأحادية بسهولة. وبينما يحاول ترامب ونتنياهو فرض واقع جديد بالقوة، يدرك الرأي العام العالمي أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يبنى على أنقاض سيادة الشعوب وحقوقها التاريخية.





שתף את דעתך
فلسفة 'الطغيان' في السياسة الأمريكية: هل تعيد 'الماغا' بناء الهيمنة عبر القوة؟