ש 21 מרץ 2026 4:47 am - שעון ירושלים

بين نزع السلاح وإعادة الإعمار: غزة خارج أولويات السياسة الدولية

واشنطن - سعيد عريقات-21/3/2026

تحليل إخباري

في خضم تحولات إقليمية متسارعة، يبدو أن قطاع غزة ينسحب تدريجياً من صدارة الاهتمام الدولي، رغم استمرار المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها سكانه. وفي هذا السياق، برز مقترح جديد قدمه ما يُعرف بـ"مجلس السلام" بالتعاون مع وسطاء إقليميين إلى حركة حماس، يقضي بوضع إطار زمني لنزع سلاحها بشكل تدريجي. غير أن هذا المقترح، الذي حظي بموافقة إسرائيلية، يطرح تساؤلات عميقة حول أولويات الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي بات من الواضح أن غزة لم تعد ضمن سلم أولوياتها السياسية، بل أصبحت ملفاً مؤجلاً في ظل انشغالات إستراتيجية أوسع.

يقترح الإطار المطروح عملية تمتد لأكثر من ستة أشهر، تبدأ بتفكيك الأسلحة الثقيلة مثل الصواريخ ومنصات الإطلاق والأنفاق، قبل الانتقال إلى الأسلحة الخفيفة، مع نشر قوة شرطة فلسطينية جديدة في المناطق التي يتم "تطهيرها" من السلاح. كما يتضمن المقترح ضمانات أمنية لعناصر حماس الذين يوافقون على تسليم سلاحهم، باستثناء من يُشتبه بتورطهم في هجمات سابقة. ويبدو أن هذا الطرح يسعى إلى خلق واقع أمني جديد في القطاع، يمهد لإعادة الإعمار وعودة نوع من الاستقرار، ولو بشكل تدريجي ومشروط.

لكن قراءة نقدية لهذا المقترح تكشف عن اختلال واضح في توازن الأولويات. فبينما يتم التركيز على نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار، يتم تجاهل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها سكان غزة، والذين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والماء والرعاية الصحية. كما أن ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح بالكامل يضع المدنيين رهائن لعملية سياسية معقدة قد تستغرق وقتاً طويلاً، دون ضمانات حقيقية للنجاح، أو آليات واضحة لحماية المدنيين خلال هذه المرحلة الانتقالية.

ويعكس هذا الطرح فهماً أمنياً ضيقاً للأزمة في غزة، حيث يتم اختزال المشكلة في وجود السلاح، متجاهلاً جذور الصراع السياسية والإنسانية. إن التركيز على نزع سلاح حماس دون تقديم أفق سياسي واضح للفلسطينيين يعيد إنتاج نفس الشروط التي أدت إلى الانفجار الحالي. كما أن غياب ضغط حقيقي من الدول الوسيطة، خصوصاً قطر وتركيا، يضعف من فرص نجاح المبادرة، ويجعلها أقرب إلى محاولة إدارة الأزمة بدلاً من حلها، وهو ما يكرس حالة الجمود بدل تجاوزها.

في السياق ذاته، تبرز إشكالية قانونية وإدارية تتعلق بآلية تنفيذ هذا المقترح، خاصة فيما يتعلق بإدخال قوة شرطة فلسطينية جديدة دون وضوح مرجعيتها القانونية أو علاقتها بالسلطة الفلسطينية. فالمقترح يتجاهل إلى حد كبير البنية القانونية القائمة في غزة، ما يثير تساؤلات حول مدى شرعية هذه الترتيبات، وقدرتها على الصمود في بيئة سياسية معقدة ومنقسمة. كما أن أي قوة أمنية جديدة قد تواجه تحديات في القبول الشعبي والفعالية الميدانية.

من جهة أخرى، يكشف غياب التمويل الفعلي لخطط إعادة الإعمار عن فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والواقع العملي. فعلى الرغم من التصريحات الأميركية بشأن حشد مليارات الدولارات، لا تزال الموارد المالية غير متوفرة، ما يعكس تردداً دولياً في الاستثمار في غزة قبل تحقيق شروط أمنية صارمة. هذا النهج لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد المعاناة، بل يعزز أيضاً من فقدان الثقة لدى السكان المحليين في جدوى أي عملية سياسية، ويغذي مشاعر الإحباط واللايقين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تنشغل فيه القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة، بملفات إقليمية أخرى، مثل التوتر مع إيران، ما يفسر تراجع الاهتمام بغزة. ويبدو أن الإدارة الأميركية تفضل إدارة الأزمة من خلال وسطاء، بدلاً من الانخراط المباشر، وهو ما ينعكس في ضعف الضغط السياسي والمالي لدفع الأطراف نحو حل شامل. كما أن الأولويات الاستراتيجية لواشنطن باتت تميل نحو ملفات أكثر إلحاحاً من منظورها الأمني العالمي.

إن تراجع أولوية غزة في السياسة الأميركية ليس مجرد مسألة تكتيكية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً أوسع في ترتيب الأولويات العالمية. ففي ظل المنافسة مع قوى كبرى، وتركيز واشنطن على ملفات الأمن الدولي، تصبح الأزمات الإنسانية المزمنة أقل حضوراً في دوائر صنع القرار. هذا التحول يترك فراغاً سياسياً قد تملؤه قوى إقليمية بطرق لا تخدم بالضرورة استقرار المنطقة أو مصالح السكان المحليين، ما يهدد بإطالة أمد الأزمة بدلاً من احتوائها.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مقترح نزع السلاح، رغم ما يحمله من وعود بإعادة الإعمار والاستقرار، يفتقر إلى رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة في غزة. كما أن تجاهل البعد الإنساني، وربط المساعدات بشروط أمنية صارمة، يعكس خللاً في مقاربة المجتمع الدولي، ويؤكد أن القطاع لم يعد في صدارة الاهتمامات العالمية. وبينما تستمر المفاوضات في القاهرة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن تحقيق سلام مستدام دون معالجة حقيقية لمعاناة السكان، أم أن هذه المبادرات ستظل مجرد محاولات مؤقتة لإدارة أزمة تتفاقم باستمرار، في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية للتغيير؟

תגים

שתף את דעתך

بين نزع السلاح وإعادة الإعمار: غزة خارج أولويات السياسة الدولية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.