لا شك بأن الحركتين التجارية والاقتصادية في مدينة القدس عامة، وفي البلدة القديمة منها خاصة، قد تعرضتا لهزات وضربات اقتصادية كبيرة، ليس فقط بفعل إجراءات وممارسات الاحتلال المستمرة والمتواصلة، من عمليات إغلاق متقطعة، ومنع الدخول إلى البلدة القديمة، أو منع الوصول إلى المسجد الأقصى لأداء الصلاة فيه، وكذلك تراجع الحركة السياحية بشكل كبير.
هذا الواقع عاشته مدينة القدس عامة، والبلدة القديمة خاصة، منذ أزمة جائحة "كورونا" في 20 شباط/فبراير 2020، وما تلاها من حروب على جبهة قطاع غزة: في أيار/مايو 2021، ما عُرف بمعركة "سيف القدس" وفق تسمية حركة حماس، أو معركة "حارس الأسوار" وفق التسمية الإسرائيلية، وما جرى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، معركة "طوفان الأقصى" وفق تسمية حركة حماس، و"السيوف الحديدية" وفق التسمية الإسرائيلية، والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم. وكان لهذه الحروب انعكاساتها الكارثية على الحركتين التجارية والاقتصادية في القدس، والتي لم تتسبب فقط في إغلاق المزيد من الأسواق والمحلات التجارية في البلدة القديمة، بل شهدنا أيضاً انخفاضاً حاداً في أعداد الزوار والمتسوقين. وفي الوقت الذي كان فيه تجار البلدة القديمة يتوقعون أن تتعافى الحركة التجارية والاقتصادية بعد أن تحولت الحرب على قطاع غزة إلى مواجهات وعمليات عسكرية متوسطة ومنخفضة الشدة، جاءت المفاجأة المدوية.
نحن هنا، في هذه المقالة، لن نناقش الإغلاق غير المسبوق للمسجد الأقصى، والمتواصل منذ 18 يوماً، هذا الإغلاق الذي جرى تسويقه وتبريره على أنه إجراء أمني مؤقت، يهدف إلى توفير الأمن والأمان من الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله اللبناني. بل إن هذا الإغلاق، في حقيقته، هو جزء من مسار سياسي أيديولوجي شامل، يهدف إلى فرض وقائع تهويدية جديدة في المسجد الأقصى، تغير من وضعه الديني والتاريخي والقانوني تغييراً جذرياً. ونحن نستدل على ذلك من حجم التحريض غير المسبوق من قبل جماعات الهيكل وأبناء المعبد وغيرها من الجماعات المتطرفة الأخرى.
ففي فترة إغلاق المسجد الأقصى، كان حجم التحريض عليه غير مسبوق. وفي هذا السياق، نشير إلى أنه في ظل استمرار إغلاق المسجد الأقصى خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، والمتوقع استمراره إلى ما بعد عيد الفطر السعيد، نشر الحاخام المتطرف باروخ مارزل صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر قاعدة طائرات أسفل المسجد الأقصى، مرفقاً إياها بتعليق ساخر يدّعي وجود "قاعدة سرية لسلاح الجو في القدس"، وهو ما يُعد تحريضاً خطيراً يمهد لتبرير استهداف المسجد الأقصى. ويأتي هذا التحريض بعد دعوات سابقة أطلقها الحاخام يوسف مزراحي لقصف المسجد الأقصى، والزعم لاحقاً أنه دُمّر بصاروخ إيراني.
إن النقاش هنا سينصب على تداعيات إغلاق المسجد الأقصى، ولأول مرة، لفترة طويلة ومتواصلة، خاصة أنه جرى في شهر رمضان المبارك، الشهر الذي يعول عليه التجار كثيراً لزيادة الحركة التجارية والاقتصادية في البلدة القديمة، وتعويضهم عن جزء من الخسائر الكبيرة التي تكبدوها في السنوات السابقة، من عام 2020 ولغاية الآن. ولكن سارت الأمور عكس ما خطط له التجار وتمنوه، حيث جاء إغلاق الأقصى بمثابة كارثة حقيقية بالنسبة لهم. فلقد استعدوا لهذا الشهر بشراء كميات كبيرة من البضائع، والتي بقيت مخزنة في مستودعاتهم، ولم يتمكنوا من عرضها في المحلات التجارية، بسبب إغلاق البلدة القديمة ومنع الدخول إليها إلا لحملة هوية البلدة القديمة، والإجراءات والحواجز العسكرية والأمنية التي حولت مدينة القدس إلى ثكنة عسكرية مقفلة.
فبدلاً من أن يتمكن التجار من تعويض جزء من خسائرهم السابقة، والرهان على هذا الشهر الفضيل والتدفق البشري الواسع إلى المدينة ليكون بمثابة خشبة إنقاذ بالنسبة لهم، وجدوا أنفسهم في كارثة حقيقية، خاصة مع اقتراب الشهر الفضيل من نهايته دون أن يستفيدوا من هذا الموسم الحيوي. وهكذا غرق التجار في الديون، تلك الديون التي سيترتب عليها المزيد من التدهور في أوضاعهم الاقتصادية والتجارية، وستؤدي إلى الحجوزات على بضائعهم ومحلاتهم التجارية، في ظل غياب أي جهة رسمية تعمل على تعويضهم عن جزء من خسائرهم. وهذا الواقع سيدفعهم حتماً إلى إغلاق المزيد من المحلات التجارية، والتي أضحى إغلاقها أقل ضرراً من فتحها، نظراً للمصاريف الكبيرة المترتبة على فتحها دون أي ناتج أو مردود يذكر: ضرائب مختلفة الأنواع، ومن ضمنها ضريبة "الأرنونا" (المسقفات)، والتي أضحت لا تقل عن 400 شيكل للمتر المربع الواحد، بالإضافة إلى مصاريف كهرباء وماء، وضريبة دخل، وضريبة خدمات، وغيرها. وهذا الواقع المستجد سيضطر جزءاً من التجار إلى نقل مركز حياته وعمله إلى خارج مدينة القدس، أو الاستمرار في إغلاق المحل والذهاب إلى العمل الأسود عند الإسرائيليين. وربما تراكم الديون على محله التجاري سيعرضه لمخاطر وضع اليد عليه من قبل دائرة ضريبة "الأرنونا" (المسقفات) وبيعه في المزاد العلني.
هذا هو الواقع المؤلم والمحزن لتجار البلدة القديمة، الذين لا يجدون مظلة رسمية تقدم لهم الدعم المادي ولو في حدوده الدنيا، بما يمكنهم من استمرار البقاء والصمود في البلدة القديمة، والاستمرار في البقاء كخط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى. فتفريغ البلدة القديمة من تجارها وسكانها يمهد لتهويدها وللسيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها، وبما يفسح المجال لتهويد الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية عليه بشكل كلي.
من هنا، فإن بقاء تجار البلدة القديمة في محلاتهم وأسواقهم لا يتطلب عبارات إنشاء، وبيانات نارية، وشعارات زائفة، بل يتطلب دعماً جاداً وحقيقياً، دعماً مادياً يعزز ويكرس هذا الصمود. ولذلك، فإن الدول العربية والإسلامية، التي تتحدث عن أن قبلتها هي القدس والمقدسات، وفي المقدمة منها المسجد الأقصى، يجب أن يقرنوا أقوالهم بالأفعال. فهذه الدول العربية، التي تنتشر القواعد الأمريكية على أراضيها تحت حجج وذرائع تسوقها أمريكا بأنها من أجل حمايتها والدفاع عنها، في الوقت الذي كشفت فيه الحرب العدوانية الأمريكية – الإسرائيلية على إيران أن وجودها فقط من أجل توفير الأمن والحماية لإسرائيل. ولذلك، أعتقد أنه من الأولى حماية عروبة القدس وإسلاميتها، وهذا يتطلب أن تبادر دولة من هذه الدول أو أكثر إلى تبني قضية وملف تجار البلدة القديمة من القدس. فهؤلاء التجار لا يحتاجون إلى المليارات؛ فالميزانية وأموال تعزيز الصمود والبقاء التي يحتاجونها ليست بالمليارات، كما هو حال الأموال التي تدفع للقواعد الأمريكية تحت بند وذريعة حماية تلك البلدان، والتي كشف الواقع كذبها وفضح زيفها.
عدة ملايين من الدولارات توزع شهرياً على عدد من تلك الدول يمكنها أن تنقذ ليس التجار ومحالهم وأسواقهم التجارية فحسب، بل تنقذ مدينة بأكملها. هنا يتجلى التضامن والمسؤولية الجماعية العربية والإسلامية تجاه فلسطين وشعبها وأهلها. هنا تختبر المواقف الحقيقية، لا البيانات والشعارات الزائفة التي لا تحمي محلاً تجارياً واحداً في القدس.
ד 18 מרץ 2026 9:55 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
ضرب الحركتين التجارية والاقتصادية في البلدة القديمة: أحد أهداف الإغلاق