تعيدنا الذاكرة الثقافية إلى أواخر الثمانينات، وتحديداً في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث كان الراحل يوسف إدريس يواجه بذكائه المعهود أسئلة الشباب المفخخة. لم يكن إدريس مجرد قاص أو طبيب معتزل، بل كان يحمل فكراً متجدداً يرفض القوالب الجاهزة، وهو ما تجلى في رده الشهير على من اتهموه بافتعال المعارك مع زملائه المبدعين.
في تلك الندوة التاريخية، واجه إدريس سؤالاً حول جدوى مقالاته الأسبوعية مقارنة بالكتابة اليومية لغيره، فجاء رده 'صاروخياً' كما وصفه الحضور. اعتبر إدريس أن الكتابة اليومية الرتيبة التي تفتقر للجديد تشبه عملية 'اجترار الطعام'، في إشارة إلى رفضه للابتذال الفكري الذي قد يسقط فيه الكاتب سعياً وراء التواجد المستمر.
إن هذه الواقعة تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول 'أمانة الكلمة' التي يجب أن يتحراها المثقف، خاصة في اللحظات الفارقة من تاريخ الأمم. فالكلمة ليست مجرد رصف للحروف، بل هي مسؤولية أخلاقية تهدف إلى جعل القارئ أكثر وعياً وقدرة على العمل من أجل ازدهار مجتمعه، بعيداً عن الرتابة الهزلية.
يستحضر الكاتب هنا بيت الشعر الشهير لأبي العلاء المعري، مذكراً بأن الخط يبقى زماناً بعد كاتبه، بينما يوارى الكاتب الثرى. هذا التذكير يضع مئات الكتاب أمام مرآة الحقيقة، خاصة أولئك الذين روجوا لانتصارات وهمية ومعارك صفرية لسنوات طويلة، ثم تخلوا عن مواقفهم دون أدنى اعتذار أو مراجعة.
من المثير للتأمل أن نجد بعض الشخصيات العامة تعمد إلى محو تاريخها الرقمي وتغيير صفحاتها على منصات التواصل الاجتماعي هرباً من مواقف سابقة. هذا السلوك يعكس غياب الشجاعة الأدبية في الاعتراف بالخطأ، ويؤكد أن البعض يفضل الهروب على مواجهة تبعات ما سطره قلمه في سنوات الأزمات.
إن الكاتب الذي يجمل الواقع المشوه يساهم بشكل غير مباشر في دفع الشباب نحو مصائر مأساوية، سواء خلف الأسوار أو في مواجهات خاسرة. وبينما يعيش هؤلاء الكتاب في رفاهية 'التكييف'، يدفع البسطاء ثمن الكلمات غير المسؤولة التي لم تتحرَّ الصدق والمصداقية في وقت كان فيه الوطن يحتاج للحقيقة.
تبرز هنا إشكالية تصنيف العمل الصحفي، حيث يرى البعض أن كتابة المقال ليست فناً صحفياً أصيلاً، وهو اعتقاد خاطئ تماماً. فالمقال هو أرفع فنون الصحافة، ومن خلاله تتبلور الرؤى السياسية والاجتماعية التي تقود الرأي العام، شريطة أن يمارس الكاتب دوره بمهنية وتجرد.
الكاتب الحر المناضل يجب أن يتحرى أمانة ومسؤولية الكلمة في هذه الآونة الحرجة من مسيرة الأمة.
لقد شبه الشاعر أمل دنقل مهمة المبدع والكاتب بمهمة 'زرقاء اليمامة' التي ترى ما لا يراه الآخرون وتحذر قومها من الأخطار المحدقة. فالرائد لا يكذب أهله، ومهنة الكتابة تكتسب قدسيتها من القسم الإلهي بالقلم، مما يفرض على صاحبها أن يكون صادقاً حتى لو كلفه ذلك ملاحقة أو تضييقاً.
إن الكلمة الصادقة التي ترفع رأس صاحبها أمام خالقه خير من آلاف الكلمات التي تهدف لإرضاء طرف ما أو تحقيق مصلحة دنيوية عابرة. ويجب على كل من يمسك بالقلم أن يتذكر التحذير النبوي من إصابة الدماء، فإصابة الدم قد تكون بالتحريض أو بالتضليل الذي يؤدي إلى إزهاق الأرواح.
وفي السياق الفلسطيني، يبرز شعر أحمد مطر كصرخة في وجه 'أرباب النضال المدمنين' الذين يكتفون بالاستنكار بينما تستمر المعاناة. هذا النوع من الكتابة يكشف زيف الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويضع المثقف أمام مسؤوليته في تقديم نقد حقيقي للواقع المرير.
قد تكون الكلمة صحيحة في ذاتها لكنها تُستخدم في غير سياقها لتضليل الناس، وهو ما يذكرنا بنموذج المذيع أحمد سعيد في حرب 1967. فبينما كان يستعرض انتصارات وهمية عبر الأثير، كان الواقع على الأرض يشير إلى هزيمة نكراء، مما أحدث صدمة عنيفة لدى الجماهير التي استيقظت على الحقيقة المرة.
إننا نعيذ الكتاب والمثقفين من السقوط في فخ 'الأحمد سعيدية' الجديدة، حيث يتم تزييف الوعي الجمعي وتصوير الهزائم كأنها انتصارات. فالصدق مع النفس ومع الجمهور هو السبيل الوحيد لبناء أمة قوية قادرة على مواجهة التحديات، بعيداً عن التجميل الزائف للواقع المأساوي.
إن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تصنع فارقاً في وعي القارئ وتدفعه نحو التفكير النقدي البناء، لا تلك التي تنومه مغناطيسياً. ويظل الرهان دائماً على الضمير الحي للكاتب الذي يدرك أن كلماته ستحاسبه عليها الأجيال القادمة قبل أن يحاسبه عليها التاريخ.
ختاماً، تظل أمانة الكلمة هي المعيار الوحيد للتفريق بين الكاتب المناضل والكاتب الأجير الذي يقتات على تزييف الحقائق. إن مسيرة الأمة تحتاج اليوم إلى أقلام لا تنكسر، وعقول لا تباع، وكلمات تستشرف المستقبل بصدق 'زرقاء اليمامة' وشجاعة يوسف إدريس في مواجهة الرتابة.





שתף את דעתך
أمانة الكلمة بين استشراف 'زرقاء اليمامة' وفخاخ التضليل الإعلامي