أعاد القصف الأمريكي الأخير على جزيرة خرج الإيرانية إحياء تهديد قديم أطلقه الرئيس دونالد ترمب قبل نحو أربعة عقود، حيث برزت الجزيرة كهدف استراتيجي قد يحسم مسار المواجهة الحالية. ويُنظر إلى السيطرة على هذه الجزيرة المرجانية بوصفها الخيار الأكثر واقعية لتقويض الموارد المالية للنظام الإيراني، رغم ما يحمله هذا التوجه من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة برية مباشرة.
تكتسب جزيرة خرج أهمية فائقة لكونها المحرك الرئيسي للاقتصاد الإيراني، إذ تتدفق عبرها نحو 90% من صادرات البلاد النفطية إلى الأسواق العالمية. وتقع الجزيرة على بعد 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية للتحكم في إيرادات طهران المالية وقدرتها على تمويل مؤسساتها العسكرية وحلفائها في الخارج.
تاريخياً، كان ترمب قد صرح في مقابلة مع صحيفة 'الغارديان' عام 1988 بأنه سيضرب جزيرة خرج ويفرض سيطرته عليها لو كان صاحب القرار في واشنطن آنذاك. ويبدو أن الرئيس الأمريكي بدأ بتنفيذ هذا الوعيد جزئياً، حيث أعلن مؤخراً عن تدمير أهداف عسكرية في الجزيرة، واصفاً إياها بـ 'درة التاج' التي يجب التعامل معها بحزم.
أفادت مصادر بأن الهجمات الأخيرة ركزت بشكل دقيق على الدفاعات الجوية وقاعدة 'جوشان' البحرية ومنشآت المطار، مع تجنب استهداف البنية التحتية النفطية في هذه المرحلة. وأوضح ترمب عبر منصته 'تروث سوشال' أن عدم تدمير المنشآت النفطية كان قراراً اختيارياً، لكنه لوح بالقيام بذلك في حال هددت طهران سلامة الملاحة في مضيق هرمز.
من جانبها، رفعت طهران وتيرة صادراتها النفطية من الجزيرة إلى مستويات قياسية قبيل الهجوم، حيث كشفت مذكرات مصرفية عن شحن أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً. وتعكس هذه التحركات استشعار النظام الإيراني للخطر الداهم ومحاولته تأمين أكبر قدر من السيولة النقدية قبل تعطل الميناء الحيوي بفعل العمليات العسكرية المتواصلة.
رد الفعل الإيراني جاء حاداً، حيث توعدت القيادة العسكرية بتحويل المصالح النفطية الأمريكية في المنطقة إلى رماد إذا تم المساس بالمنشآت النفطية في خرج. وأكد المتحدث باسم 'مقر خاتم الأنبياء' أن أي اعتداء على البنية التحتية للطاقة سيواجه برد مزلزل يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية ليشمل حلفاء واشنطن في الإقليم.
يرى محللون أن السيطرة البرية على الجزيرة قد تكون بديلاً عن تدميرها، بهدف خنق النظام مالياً دون التسبب في كارثة بيئية أو قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يواجه معارضة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي التي تخشى تكرار سيناريوهات 'المستنقعات' في العراق وأفغانستان، خاصة مع قرب الجزيرة من منشآت نووية حساسة.
سأعيد النظر في تدمير البنية التحتية النفطية إذا قامت إيران بأي شيء يعرقل سلامة الملاحة في مضيق هرمز.
تتضارب التصريحات الصادرة عن إدارة ترمب بشأن إرسال قوات برية، حيث وصف الرئيس الأمر في مناسبات بأنه 'مضيعة للوقت' نظراً لتهالك القوة البحرية الإيرانية. لكنه عاد في تصريحات أخرى ليؤكد استعداده لنشر جنود 'إذا لزم الأمر' لمراقبة مخزونات اليورانيوم أو تأمين نقاط استراتيجية، مما يعكس حالة من التردد الاستراتيجي تجاه التدخل البري.
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث حاول التمييز بين الحرب الحالية والحروب السابقة، مشيراً إلى أن واشنطن لا تسعى لبناء ديمقراطية في إيران أو الانخراط في 'قواعد اشتباك غبية'. وأكد هيغسيث أن الهدف هو تحقيق غايات عسكرية محددة تتعلق بالأمن القومي الأمريكي وحماية الملاحة الدولية، بعيداً عن مشاريع بناء الدول المكلفة.
تشير تقارير اقتصادية إلى أن سقوط جزيرة خرج في يد القوات الأمريكية سيؤدي فوراً إلى تراجع الإنتاج النفطي الإيراني بمقدار النصف وتوقف الصادرات تماماً. هذا السيناريو قد يدفع طهران إلى تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، مما سيشعل أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة ويضع الاقتصاد الدولي على حافة الانهيار.
تظل جزيرة خرج، التي أنشأتها أصلاً شركة 'أموكو' الأمريكية قبل عقود، نقطة الضعف القاتلة في الجسد الإيراني والهدف الأكثر إغراءً للمخططين العسكريين في واشنطن. وبينما تستمر الضربات الجوية، يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كانت هذه العمليات هي تمهيد لغزو بحري محدود يضع اليد على شريان الحياة الإيراني.
حدد ترمب أربعة أهداف رئيسية لحملته العسكرية، تشمل تدمير القدرات الصاروخية والنووية ومنع تمويل 'الجيوش الإرهابية' في المنطقة. ويرى مراقبون أن تحقيق هذه الأهداف قد لا يتطلب احتلالاً كاملاً لإيران، بل السيطرة على مفاصل اقتصادية وعسكرية حيوية مثل جزيرة خرج لفرض شروط الاستسلام على طهران.
في ظل تماسك الهرم القيادي الإيراني بعد اختيار مرشد جديد، يبدو أن الرهان الأمريكي على انهيار داخلي سريع للنظام قد يتأخر، مما يزيد من احتمالية التصعيد العسكري. وتظل 'خرج' هي الورقة الرابحة التي يلوح بها ترمب للضغط على القيادة الإيرانية للتراجع عن مواقفها المتصلبة والدخول في مفاوضات تحت النار.
ختاماً، فإن الأيام المقبلة ستكشف مدى جدية التهديدات الأمريكية بالانتقال إلى المرحلة البرية في جزيرة خرج، وسط ترقب دولي لتداعيات ذلك على أمن الخليج. إن تحول الجزيرة من عقدة نفطية إلى ساحة مواجهة مباشرة يضع المنطقة برمتها أمام منعطف تاريخي قد يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.





שתף את דעתך
سيناريو السيطرة على جزيرة خرج: هل ينفذ ترمب وعيده القديم ضد 'درة التاج' الإيراني؟