تشهد المنطقة العربية امتحاناً وجودياً مع تقاطع الصواريخ والخرائط في ظل المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. هذا الصراع لم يعد مجرد تبادل للقوة العسكرية، بل بات اختباراً حقيقياً لمفهوم الحماية الذي استندت إليه التحالفات الأمنية لعقود طويلة.
منذ حرب الخليج عام 1991، رسخت واشنطن حضورها العسكري عبر شبكة واسعة من القواعد في ست دول خليجية، أبرزها قاعدة العديد في قطر التي تضم 8 آلاف جندي. كما يبرز مقر الأسطول الخامس في البحرين كركيزة تاريخية منذ عام 1948، إلى جانب قاعدة الظفرة في الإمارات ومنشآت أخرى في الكويت والسعودية وعُمان.
المفارقة الحالية تكمن في تحول هذه القواعد من مظلة أمنية مفترضة إلى مغناطيس يجذب الحرب للدول المضيفة. فمنذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي، تعرضت هذه المنشآت لهجمات صاروخية إيرانية مكثفة طالت أهدافاً عسكرية ومدنية في عمق المدن الخليجية.
أفادت مصادر بأن الهجمات الإيرانية الأخيرة أسفرت عن وقوع أضرار جسيمة وسقوط قتلى في مناطق حيوية مثل أبو ظبي ومطار دبي. وتبرر طهران هذه الاستهدافات بأن المواقع المدنية المتضررة تُستخدم كمراكز استخباراتية مشتركة بين القوات الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يضع الحياد الخليجي المعلن على المحك.
كشف التصعيد الأخير عن انكشاف المبرر الأساسي لاستضافة القواعد الأجنبية، حيث عجزت هذه المنشآت عن حماية نفسها، فضلاً عن حماية الدول المضيفة. واعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على تحويل الجوار الخليجي إلى مسرح مركزي للمواجهة عبر استهداف البنية التحتية الاقتصادية ومرافق الطاقة الحيوية.
من الناحية القانونية، لا تُعد هذه القواعد انتهاكاً للسيادة كونها تقوم على اتفاقيات رسمية، لكن الإشكالية تبرز عند تحولها لأهداف عسكرية مشروعة. فقانون النزاعات المسلحة يقر بأن تدمير أي هدف يسهم في العمل العسكري يحقق ميزة واضحة، مما يجعل المدن المستضيفة في خطر دائم.
يتضاعف التعقيد حين تتشابك القواعد العسكرية مع المحيط المدني المكتظ بالسكان، مما يثير تساؤلات حول مبدأ التناسب في الهجمات. فالأضرار التي تلحق بالمدنيين نتيجة التصدي للصواريخ أو الاستهداف المباشر باتت تفوق أي ميزة عسكرية مرجوة من وجود هذه القوات الأجنبية.
الأمن لا يُستورد، والسيادة لا تُجزأ، والقواعد الأجنبية قد تتحول في لحظة من دروع واقية إلى أهداف مكشوفة.
تجد دول المنطقة نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم للموازنة بين كلفة استمرار الوجود العسكري الأجنبي وكلفة إنهائه. فالبقاء يعني الارتهان لقرارات خارجية قد لا تراعي المصالح الوطنية للدول المضيفة، خاصة في اللحظات الحرجة التي تتباين فيها الأولويات الاستراتيجية لواشنطن وحلفائها.
شكلت حادثة محاولة اغتيال قادة فلسطينيين في الدوحة خلال سبتمبر 2025، والتي تمت بموافقة أمريكية، صدمة عميقة لصناع القرار في الخليج. هذه الواقعة كشفت حدود المظلة الأمنية الأمريكية وأثبتت أن التنسيق الاستخباراتي قد يتجاوز أحياناً سيادة الدولة المضيفة واعتباراتها السياسية.
على الجانب الآخر، فإن تفكيك هذه القواعد يمثل تحدياً كبيراً نظراً لعقود من الاستثمارات الاستراتيجية والعلاقات المؤسسية المتجذرة. ويخشى البعض أن يؤدي الانسحاب المفاجئ إلى فراغ أمني في ظل استمرار التهديدات الإقليمية، مما يتطلب بناء قدرات دفاعية ذاتية قادرة على ملء هذا الفراغ.
تتجه العقيدة العسكرية الأمريكية حالياً نحو إعادة توزيع الموارد للتركيز على التحدي الصيني المتصاعد والأزمات في القارة الأوروبية. هذا التحول يدفع واشنطن نحو نموذج ردع أكثر مرونة يعتمد على التدخل السريع عند الحاجة بدلاً من الانتشار الدائم والمكلف في القواعد الثابتة.
أدركت دول المنطقة أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية لم يعد خياراً مضموناً في ظل التحولات الجيوسياسية الكبرى. وبدأت بعض العواصم فعلياً في تنويع شراكاتها العسكرية وتطوير صناعات دفاعية محلية لتقليل التبعية للخارج وبناء توازن استراتيجي أكثر استقلالية.
تعكس مسارات التقارب السعودي الإيراني ووساطات قطر وعُمان المستمرة سعياً حثيثاً لبناء قنوات اتصال مباشرة مع طهران بعيداً عن الوصاية الدولية. هذا التوجه يشير إلى قناعة متزايدة بأن الأمن الحقيقي ينبع من التفاهمات الإقليمية وليس من تكديس الأساطيل الأجنبية في المياه الخليجية.
في الختام، يبدو أن الدرس الأقسى من الأحداث الجارية هو أن الأمن لا يُستورد والسيادة لا يمكن تجزئتها تحت أي مسمى. إن الانتقال من مرحلة الارتهان إلى مرحلة السيادة الكاملة يتطلب قرارات شجاعة لمراجعة الاتفاقيات الأمنية وبناء منظومة أمنية إقليمية قادرة على مواجهة التحديات دون الحاجة لتدخلات خارجية.





שתף את דעתך
جدلية الحماية والسيادة: هل تحولت القواعد الأمريكية في الخليج من دروع إلى أهداف؟