تشهدُ الحروبُ في عصرنا هذا تحوّلًا عميقًا في طبيعة أدواتها وتقنياتها، حيث لم تعد الصواريخ مجرد قذائف تُطلق نحو هدفٍ محدد وفق حساباتٍ تقليدية، بل أصبحت منظوماتٍ ذكية تعتمد على شبكةٍ معقدة من الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الدقيقة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي إضافة إلى طبيعة المقذوف ومنصات الإطلاق ودقة الإصابة وخفض نسب الخطأ في التسديد. وتعمل هذه التقنيات مجتمعةً على تحليل البيانات لحظةً بلحظة، وتصحيح المسارات في أجزاءٍ من الثانية، ما يمنح الصاروخ قدرةً غير مسبوقة على إصابة هدفه بدقةٍ متناهية وبفتك تحدده مكونات الرأس المتفجر.
ويتسابقُ العالمُ اليوم في تطوير هذه المنظومات، فتتباهى الجيوش بقدراتها الصاروخية المتقدمة، وتعرض في معارضها العسكرية أجيالًا جديدة من الصواريخ الموجهة التي ترتبط مباشرةً بفضاءٍ من الأقمار الصناعية التي تراقب الأرض بلا انقطاع، بينما تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحليل الصور والبيانات وتقدير المسافات وتحديد الأهداف، حتى باتت الحرب في كثيرٍ من الأحيان تُدار عبر الشاشات والخوارزميات بقدر ما تُدار في ساحات القتال.
وتتغنّى الجيوش في خضمّ هذه الحروب بصنوف السلاح العابر للحوم البشر وآمالهم وثرواتهم وبناهم التحتية، وكأن التقدم التكنولوجي في أدوات القتال إنجازٌ حضاري يُضاف إلى سجل البشرية.
غير أن هذا التفاخر يغفل حقيقةً بسيطةً وقاسية في آنٍ واحد، وهي أن هذه الصواريخ – مهما بلغت دقتها وتعقيدها – لا تنتهي إلا عند النتيجة ذاتها: موت الإنسان ودمار المكان وانتكاسةالبشر. في المقابل ينتعش أمراء الحرب الفائزون بهذه الحروب لتغطي نشوتهم دموع الأمهات والآباء الذين يفقدون فلذة أكبادهم، ليصبح الضحايا وقود الحروب دون أي ذنب لمعظمهم.
ويتبدّى التناقض الصارخ حين نقارن بين عبقرية العقل البشري في ابتكار هذه التقنيات، وبين العجز الأخلاقي عن كبح استخدامها في ميادين الحرب. فالعلم الذي استطاع أن يربط الأرض بالفضاء، وأن يُسخّر الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين المعطيات في لحظة، هو ذاته العلم الذي يُستخدم اليوم لتحديد إحداثيات مدينةٍ أو حيٍّ أو منزلٍ قبل أن يتحول إلى هدفٍ على شاشةٍ باردة ويصبح في ثوانٍ معدودة أثراً بعد عين.
ويبقى الإنسان، رغم كل هذا التطور، الحلقة الأضعف في معادلة الحرب. فالصاروخ الذكي لا يرى دموع الأمهات، ولا يسمع صرخات الأطفال، ولا يدرك أن خلف الإحداثيات حياةً كاملة من الذكريات والأحلام. وما إن يصل إلى هدفه حتى تتحول الدقة التكنولوجية إلى انفجارٍ يبتلع البشر والحجر معًا.
وتبقى الحقيقة التي لم تتغير عبر العصور واضحةً رغم كل ما تبدّل من أدوات: تعددت الصواريخ وتنوعت تقنياتها، لكن الموت واحد. فلا التكنولوجيا تعيد الأموات، ولا دقة التوجيه تمحو الألم، ولا الأقمار الصناعية تستطيع أن تعيد مدينةً إلى ما كانت عليه قبل لحظة الانفجار.
وتظل الحرب، مهما تزيّنت بوهج الابتكار ومغريات التكنولوجيا ومفاتنها، فعلًا بشعًا في جوهره، لأنها في نهاية المطاف لا تصنع مستقبلًا للبشرية، بل تترك خلفها فراغًا من الحياة وذاكرةً مثقلةً بالفقد والوجع والأنين. للحديث بقية!
[email protected]
ملاحظة: المقال مدّعم بتطبيقات الذكاء الاصطناعي
א 15 מרץ 2026 10:28 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
تعددت الصواريخ… والموت واحد