ב 09 מרץ 2026 5:04 pm - שעון ירושלים

إيران والمنطقة العربية: قراءة في تعقيدات المواقف بين المذهبية والمصالح القومية

تعد العلاقة مع إيران من أكثر الملفات تعقيداً في الوجدان السياسي العربي، حيث بدأت مع الثورة الإسلامية عام 1979 كحالة انبهار شعبي بسقوط حاكم مستبد محمي بالإرادة الأمريكية. وقد تشكل وعي جيل كامل تجاه هذه الثورة عبر كتابات مفكرين كبار مثل فهمي هويدي ومحمد حسنين هيكل، اللذين قدما قراءات مبكرة لما يجري في طهران.

على الرغم من التعاطف الشعبي الأولي، إلا أن المواقف الرسمية العربية، وخاصة في مصر خلال عهد السادات ومبارك، اتسمت بالعداء والقطيعة. وكان هذا التوجه مدفوعاً بحسابات أمنية وسياسية تهدف للتقرب من القوى الغربية ودول الخليج، حيث كان التقارب مع طهران يعتبر خطاً أحمر في السياسة الأمريكية.

لقد كشفت الحرب العراقية الإيرانية عن انقسامات عميقة، لكن التحول الأبرز حدث إبان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. حينها، ظهرت المذهبية السياسية في أوضح صورها من خلال الدعم الإيراني للغزو لإسقاط نظام صدام حسين، مما أدى إلى تمكين طهران من مفاصل الدولة العراقية.

إن مشهد إعدام الرئيس العراقي الأسبق في صبيحة عيد الأضحى مثل ذروة الاستفزاز الطائفي، حيث اعتبره الكثيرون تجاوزاً لكل الأعراف والقوانين الدولية. هذا السلوك المذهبي أضعف من حجة المدافعين عن الثورة الإيرانية كنموذج للتحرر الوطني، وأظهر وجهاً آخر للصراع الإقليمي.

في أعقاب الثورة المصرية، كانت هناك دعوات لفتح صفحة جديدة مع طهران لكسر العزلة الإقليمية وحماية مكتسبات الثورة. إلا أن الحسابات الحزبية والعاطفية لبعض القوى السياسية، بالإضافة إلى الضغوط الإقليمية، حالت دون تحقيق تقارب حقيقي يخدم المصالح القومية المصرية.

زاد المشهد تعقيداً مع اندلاع الثورة السورية، حيث انحازت طهران وحزب الله بشكل كامل للنظام السوري ضد إرادة الشعب. هذا التدخل العسكري المباشر أدى إلى استنزاف قدرات المحور الإيراني في معارك جانبية، مما أضعف موقفه في مواجهة التهديدات الخارجية المباشرة.

يرى مراقبون أن السياسة الإيرانية وقعت في فخ 'تصدير الثورة'، وهو الشعار الذي تسبب في حروب استنزاف طويلة دمرت جيوش المنطقة. هذا التهديد المستمر دفع دول الخليج للبحث عن حماية خارجية، مما شرعن وجود القواعد الأمريكية التي أصبحت جزءاً من المشهد الأمني الإقليمي.

رغم الانتقادات الحادة لسياسات طهران في العواصم العربية، إلا أن المصلحة السياسية العليا تفرض التمييز بين الخلافات البينية والعدوان الخارجي. فالتمدد الإسرائيلي في المنطقة يمثل الخطر الأكبر، وأي انكسار لإيران في مواجهة تل أبيب سيؤدي بالضرورة إلى اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال.

إن الموقف من إيران لا يجب أن يُؤخذ ككتلة واحدة صماء، بل يجب تفكيكه وفقاً للمواقف والظروف. فمن الممكن رفض التدخل الإيراني في الشؤون العربية، وفي الوقت ذاته رفض أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي يستهدف الأراضي الإيرانية، دون الوقوع في فخ التناقض.

يبرز التحدي الأخلاقي والسياسي عند محاولة إقناع الشعوب التي عانت من التدخلات الإيرانية، كالسوريين والعراقيين، بالاصطفاف مع طهران. فمن الصعب مطالبة الضحية بالوقوف مع من ساهم في تدمير بلده، حتى لو كان العدو المشترك هو الاحتلال الإسرائيلي.

القواعد الأمريكية في الخليج، التي جاءت كمبرر للحماية من 'الخطر الإيراني'، أثبتت التجربة أنها لا توفر حماية حقيقية عند وقوع الأزمات. هذا الواقع يفرض على دول المنطقة البحث عن صيغ جديدة للأمن الإقليمي تعتمد على حسن الجوار بدلاً من الاستقواء بالقوى الخارجية.

من الناحية الاستراتيجية، تعتبر هزيمة إيران إضعافاً مباشراً لجبهة المقاومة الفلسطينية، التي تجد في طهران سنداً عسكرياً ولوجستياً مهماً. لذا، فإن الحفاظ على توازن القوى يتطلب رؤية تتجاوز الخلافات المذهبية الضيقة لصالح قضايا الأمة المركزية.

إن التعامل مع إيران 'بالقطعة' وليس 'بالجملة' يتيح لصانع القرار العربي المناورة وحماية المصالح القومية. فالاتفاق في ملفات مثل مواجهة الاحتلال لا يعني بالضرورة التغاضي عن الجرائم المرتكبة في ملفات أخرى مثل الملف السوري أو العراقي.

في الختام، تبدو الأمور في الشرق الأوسط أكثر تركيباً وتعقيداً مما تروج له الدعاية الإعلامية البسيطة. فإيران تظل لاعباً إقليمياً كبيراً لا يمكن تجاهله، والتعامل معها يتطلب حكمة سياسية تجمع بين رفض المذهبية والحفاظ على الأمن القومي العربي.

תגים

שתף את דעתך

إيران والمنطقة العربية: قراءة في تعقيدات المواقف بين المذهبية والمصالح القومية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.