فقدت فلسطين والأوساط الأكاديمية العالمية، يوم الأحد، المؤرخ والمفكر الكبير البروفيسور وليد الخالدي، الذي وافته المنية في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية عن عمر ناهز 101 عام. ويعد الراحل أحد أبرز أعمدة الفكر الفلسطيني المعاصر، ومن القلائل الذين كرسوا حياتهم العلمية والعملية لتوثيق تفاصيل القضية الفلسطينية وجرائم الاحتلال الإسرائيلي منذ النكبة.
ونعى رئيس دولة فلسطين محمود عباس الفقيد ببالغ الحزن، مشيداً بمسيرته الحافلة بالعطاء الوطني والفكري. وأكد الرئيس في بيانه أن الخالدي كان حارساً أميناً للرواية التاريخية الفلسطينية، حيث استطاع من خلال أبحاثه الرصينة ومؤلفاته التي ترجمت لعدة لغات أن يثبت الحق الفلسطيني في المحافل الأكاديمية الدولية، مشيراً إلى دوره الريادي في تأسيس المؤسسات البحثية الكبرى.
من جانبها، نعت مؤسسة الدراسات الفلسطينية رئيسها الفخري وأحد مؤسسيها الأوائل، مؤكدة أن رحيله يمثل خسارة فادحة للمكتبة العربية والعالمية. وأشارت المؤسسة في بيانها الصادر عن مكاتبها في بيروت ورام الله وواشنطن، إلى أن الخالدي ظل حتى سنواته الأخيرة مرجعاً ملهماً للباحثين والدارسين، ومشرفاً على أدق تفاصيل العمل البحثي المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.
وُلد وليد الخالدي في قلب مدينة القدس عام 1925، حيث نشأ في كنف عائلة مقدسية عريقة عُرفت بالعلم والأدب. تلقى تعليمه الأولي في مدرسة الفرندز برام الله ثم مدرسة القديس جاورجيوس بالقدس، قبل أن يشد الرحال إلى بريطانيا ليتم تعليمه العالي ويتخرج من جامعة أوكسفورد العريقة في عام 1951، ليبدأ بعدها مسيرة أكاديمية استثنائية.
شغل الخالدي مناصب أكاديمية رفيعة، حيث عمل محاضراً في الدراسات السياسية بالجامعة الأمريكية في بيروت لثلاثة عقود، ثم انتقل للعمل كباحث في مركز هارفارد للشؤون الدولية. كما حاضر في جامعتي برينستون وأوكسفورد، وانتُخب زميلاً في الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم، مما يعكس المكانة المرموقة التي حظي بها في الأوساط العلمية الغربية.
يُسجل للتاريخ أن وليد الخالدي كان من أوائل الذين أرسوا دعائم ما يُعرف بـ 'علم النكبة'، حيث لم يكتفِ بسرد الأحداث بل غاص في تحليل الوثائق الصهيونية. وكان له الفضل في كشف 'خطة دالت' للعالم في ستينيات القرن الماضي، وهي المخطط العسكري الرئيسي الذي نفذته العصابات الصهيونية لاحتلال المدن والقرى الفلسطينية وتشريد سكانها عام 1948.
تعتبر مؤلفات الخالدي مراجع لا غنى عنها لأي باحث في الشأن الفلسطيني، وعلى رأسها كتابه الموسوعي 'كي لا ننسى' الذي وثق القرى الفلسطينية المدمرة، وكتاب 'قبل الشتات'. وقد تجاوزت نتاجاته العلمية الأربعين كتاباً، بالإضافة إلى مئات الأوراق البحثية والمقالات التي نشرت في كبرى المجلات العلمية المحكمة حول العالم.
لقد كرس الفقيد حياته للدفاع عن الرواية التاريخية الفلسطينية وتوثيق تاريخ فلسطين وشعبها، وساهم في ترسيخ الحقيقة في الأوساط الأكاديمية الدولية.
في عام 1963، شارك الخالدي في تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت رفقة قسطنطين زريق وبرهان الدجاني، لتكون أول مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في شؤون القضية الفلسطينية. وتحت إدارته، تحولت المؤسسة إلى منارة فكرية ومرجع أساسي يرفد صناع القرار والباحثين بالمعلومات الدقيقة والتحليلات العميقة حول الصراع.
حظي الراحل بتقدير رسمي واسع، حيث منحه الرئيس محمود عباس وسام نجمة الشرف لدولة فلسطين من الطبقة العليا في عام 2015. وجاء هذا التكريم تقديراً لإسهاماته العلمية التي شكلت درعاً ثقافياً في وجه محاولات تزييف التاريخ، واعترافاً بدوره في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية عبر البحث العلمي المنهجي.
لم يتوقف عطاء الخالدي عند الجوائز الرسمية، بل نال تكريماً خاصاً في عام 2025 بجائزة الإنجاز مدى الحياة ضمن الدورة الرابعة عشرة لجائزة فلسطين للكتاب. كما أصدرت مجلة الدراسات الفلسطينية ملحقاً خاصاً بمناسبة بلوغه مئة عام، استعرضت فيه قرناً من العطاء الفكري الذي لم ينقطع رغم ظروف اللجوء والشتات.
تميزت منهجية الخالدي بالدقة المتناهية والاعتماد على الأرشيفات الأصلية، مما جعل من الصعب على المؤرخين الإسرائيليين دحض استنتاجاته. وقد ساهمت جهوده في تغيير نظرة الكثير من الأكاديميين الغربيين تجاه جذور الصراع، حيث قدم الرواية الفلسطينية بلغة علمية رصينة بعيدة عن العاطفة المجردة، مما أكسبها مصداقية عالمية.
حتى بعد تقاعده من جامعة هارفارد، استمر الخالدي في متابعة الشؤون اليومية لمؤسسة الدراسات الفلسطينية من مقر إقامته في بوسطن حتى عام 2017. كان يرى في العمل المؤسسي الضمانة الوحيدة لاستمرار الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وظل يؤمن بأن المعرفة هي السلاح الأقوى في مواجهة المشروع الاستيطاني.
أفادت مصادر مقربة من عائلة الفقيد أن جثمانه سيوارى الثرى في الولايات المتحدة، مع إقامة مراسم عزاء تليق بمكانته الوطنية في كل من رام الله وبيروت وعمان. وقد نعته فصائل وقوى وطنية ومؤسسات ثقافية، معتبرة أن رحيله يطوي صفحة من صفحات النضال الفكري الفلسطيني الذي امتد لأكثر من سبعة عقود.
يترك وليد الخالدي خلفه إرثاً عظيماً وتلاميذ انتشروا في جامعات العالم يحملون شعلة البحث العلمي التي أوقدها. وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الشعب الفلسطيني كواحد من العمالقة الذين لم تكسرهم الغربة، ولم تثنهم السنون عن مواصلة معركة الوعي والحفاظ على الذاكرة الجمعية من النسيان.





שתף את דעתך
رحيل المؤرخ الفلسطيني الكبير وليد الخالدي.. مائة عام من توثيق النكبة وحماية الرواية