أظهرت صور أقمار اصطناعية حديثة تسارعاً ملحوظاً في أعمال تحصين المنشآت النووية الإيرانية، بالتزامن مع إعادة بناء مواقع صاروخية كانت قد تضررت خلال المواجهات العسكرية الأخيرة. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المؤشرات الدولية حول احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية وشيكة ضد أهداف استراتيجية في العمق الإيراني.
وأفادت مصادر مطلعة بأن الإدارة الأمريكية تلقت تقارير تفيد بجاهزية الجيش لتنفيذ هجوم محتمل مع نهاية الأسبوع الجاري. وقد ترافق ذلك مع رصد تعزيزات عسكرية واسعة شملت قطعاً بحرية وأسراباً جوية أمريكية وصلت إلى منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية لرفع مستوى التأهب.
وبحسب تحليلات تقنية لمعهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، فإن طهران تعمد إلى استخدام كميات ضخمة من الخرسانة المسلحة لتدعيم منشآتها الحساسة. كما رصدت الصور عمليات تغطية لمواقع حيوية بطبقات كثيفة من التربة لتقليل أثر أي غارات جوية قد تستهدف تلك المراكز الحيوية في المستقبل القريب.
ووثقت الصور الملتقطة في العاشر من فبراير الجاري استمرار العمل في مداخل أنفاق تابعة لمجمع ضخم تحت الأرض بالقرب من منطقة نطنز. وتظهر اللقطات بوضوح صب كتل خرسانية جديدة عند المداخل الشرقية والغربية للمجمع، مع انتشار مكثف لآليات البناء والمعدات الثقيلة في محيط الموقع المستهدف بالتحصين.
وفي مجمع بارشين العسكري الواقع جنوب شرق العاصمة طهران، وتحديداً في منشأة 'طالقان 2'، اكتمل بناء هيكل خرساني ضخم يحيط بالموقع بالكامل. وبدأت الفرق الفنية عمليات طمر الهيكل بالتراب، وهي خطوة تهدف وفق تقديرات الخبراء إلى تعزيز قدرة المنشأة على الصمود أمام القنابل الخارقة للتحصينات.
وعلى صعيد القدرات الصاروخية، كشفت التحليلات عن نشاط مكثف لإعادة إعمار منشآت دمرت خلال الضربات الإسرائيلية في يونيو الماضي. وتتركز هذه الأعمال في قواعد استراتيجية كانت قد خرجت عن الخدمة جزئياً نتيجة الاستهداف المباشر لمنصات الإطلاق ومخازن الوقود الصلب.
وفي قاعدة الإمام علي الصاروخية بمدينة خرم آباد، أظهرت صور من مطلع يناير الماضي إعادة بناء ثلاث منشآت حيوية من أصل 12 منشأة تعرضت للتدمير الكامل. كما تجري عمليات ترميم لمنشأة رابعة، بينما لا تزال ثلاث منشآت أخرى تحت الإنشاء وسط عمليات حفر وتوسعة لمنصات إطلاق الصواريخ الباليستية.
تعمل إيران على تعزيز حماية منشآتها الحساسة عبر صبّ كميات كبيرة من الخرسانة وتغطية مواقع رئيسية بطبقات كثيفة من التربة.
أما في مجمع 'تير 7' الصناعي القريب من أصفهان، فقد رصدت الأقمار الاصطناعية إعادة بناء منشآت مرتبطة بإنتاج أجزاء أجهزة الطرد المركزي. ويأتي هذا التحدي رغم العقوبات الدولية المفروضة على هذا المجمع منذ أكتوبر 2025، مما يعكس إصرار طهران على استعادة قدراتها التصنيعية النووية.
دبلوماسياً، تجري في مدينة جنيف السويسرية مفاوضات غير مباشرة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين في محاولة لنزع فتيل الأزمة المتصاعدة. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوصل إلى ما وصفها بـ 'مبادئ توجيهية'، إلا أن الأجواء العامة لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطرفين.
في المقابل، صرح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بأن طهران لم تلتزم بالخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس دونالد ترامب. وأشار فانس إلى أن الإدارة الأمريكية تراقب عن كثب التحركات الإيرانية الميدانية، معتبراً أن استمرار البناء في المواقع النووية يعد تصعيداً غير مقبول.
وتأتي هذه التطورات بعد مواجهة عسكرية عنيفة استمرت 12 يوماً بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، شهدت تبادلاً مكثفاً للصواريخ والطائرات المسيرة. وكانت واشنطن قد أعلنت حينها أن الضربات الجوية دمرت مواقع نووية وصاروخية بالكامل، وهو ما تفنده صور الأقمار الاصطناعية الجديدة التي تظهر عودة النشاط.
ويرى مراقبون أن وتيرة البناء المتسارعة في المواقع العسكرية الإيرانية تعكس استراتيجية 'السباق مع الزمن' قبل أي مواجهة محتملة. فإيران تسعى لتأمين منشآتها تحت طبقات من الخرسانة والتراب لجعل تكلفة استهدافها عسكرياً باهظة وغير مضمونة النتائج بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
وتشير التقارير الفنية إلى أن مجمع 'تير 7' يعد حلقة وصل أساسية في البرنامج النووي، وإعادة إعماره تعني استئناف إنتاج المكونات الدقيقة لأجهزة الطرد المركزي. وهذا التطور يضع المفاوضين في جنيف أمام واقع ميداني معقد، حيث تفرض إيران وقائع جديدة على الأرض تسبق أي اتفاق سياسي محتمل.
ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف في المنطقة مع اقتراب نهاية الأسبوع والموعد المفترض للجاهزية العسكرية الأمريكية. وبينما تستمر الآليات الإيرانية في صب الخرسانة فوق منشآتها، تواصل القوات الأمريكية تعزيز تواجدها في القواعد القريبة، مما ينذر بجولة جديدة من التصعيد قد تغير موازين القوى الإقليمية.





שתף את דעתך
صور أقمار صناعية تكشف تسارع التحصينات النووية وإعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية