يعد فيلم 'العصفور' الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1972، علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، كونه أول عمل يقارب هزيمة عام 1967 بصورة مباشرة وجريئة. ولم يكن الفيلم مجرد رصد عسكري للنكسة، بل غاص في أعماق الجبهة الداخلية ليكشف عن جذور الهزيمة المتمثلة في الفساد والبيروقراطية التي نهشت جسد الدولة المصرية آنذاك.
واجه شاهين صعوبات جمة في تمرير رؤيته الفنية، حيث قوبل فيلمه 'النيل والحياة' (1968) بالمنع المطلق ولم يرَ النور إلا بعد مرور أكثر من خمسين عاماً. هذا التضييق الرقابي عكس ضيق صدر السلطات بالانتقادات التي وجهها المخرج لمشاريع قومية كبرى مثل السد العالي، وتطرقه لقضايا شائكة كتهجير النوبيين.
اضطر شاهين للجوء إلى الإنتاج المشترك مع مؤسسة السينما الجزائرية لإنجاز 'العصفور' بعد تعثر الاتفاق مع المؤسسة المصرية العامة للسينما. هذا التعاون سمح للفيلم بالتحليق عالمياً، حيث شارك في مهرجان كان السينمائي عام 1973 ممثلاً لدولة الجزائر، في وقت كان فيه ممنوعاً من العرض داخل وطنه الأم.
تتمحور حبكة الفيلم حول شخصية 'بهية' التي جسدتها الفنانة محسنة توفيق، والتي تحولت بمرور الوقت إلى رمز وطني يختزل صمود الشعب المصري. بهية في الفيلم هي الخياطة التي تفتح بيتها للمثقفين والمتمردين، وهي التي أطلقت الصرخة الشهيرة 'لا.. هنحارب' في لحظة تنحي الرئيس جمال عبد الناصر.
يربط الفيلم بين الهزيمة العسكرية وبين الفساد الداخلي من خلال شخصية 'أبو خضر'، المجرم الذي ينهب القطاع العام تحت حماية لصوص شرعيين في السلطة. ويرى الصحافي يوسف فتح الباب، أحد أبطال الفيلم أن 'أبو خضر' ليس إلا عرضاً لمرض عضال يستوجب الاستئصال من الجذور لضمان أي نصر مستقبلي.
يقدم شاهين في 'العصفور' صراعاً طبقياً وأوديبيًا بين جيل الآباء المتنفذين وجيل الأبناء المتمردين الذين انحازوا للشارع وهمومه. فالضابط رؤوف يكتشف أن والده الحقيقي ليس اللواء المتسلط، بل هو الشاعر المعارض الذي تم تهميشه، في إشارة رمزية إلى انقطاع الشرعية بين النظام وجيل الشباب.
لعبت موسيقى الشيخ إمام وأشعار أحمد فؤاد نجم دوراً محورياً في صياغة الوجدان السياسي للفيلم، خاصة أغنية 'مصر ياما يا بهية'. هذه الأغنية لم تكن مجرد خلفية موسيقية، بل كانت المحرك العاطفي الذي ربط بين أحلام البسطاء في النصر وبين واقعهم المرير تحت وطأة القمع والفساد.
بهية لم تكن مجرد شخصية درامية، بل كانت صرخة مصر الرافضة للهزيمة والمصرة على استعادة الحق والمواجهة.
لم يُسمح بعرض الفيلم في مصر إلا في أغسطس 1974، وذلك بعد استثمار انتصار أكتوبر لرد الاعتبار للمؤسسة العسكرية والسياسية. واشترطت الرقابة حينها إضافة جملة افتتاحية تربط بين انطلاق 'العصفور' وبين عبور القوات المسلحة لقناة السويس، في محاولة لتخفيف حدة النقد السياسي الموجه للحقبة الناصرية.
رغم السماح بالعرض، لم يصمد الفيلم طويلاً في دور السينما، حيث سُحب بعد خمسة أسابيع فقط، وهو مصير تكرر مع العديد من أعمال شاهين المثيرة للجدل. هذا القصر في مدة العرض يعكس استمرار الحذر الرسمي من الرسائل السياسية العميقة التي كان يبثها المخرج في أعماله الكلاسيكية.
يتطرق الفيلم أيضاً إلى قضية الجهل من خلال شخصية الطفل القروي الذي يصر على الوصول للحسين طلباً للشفاء المعجز لقريبه المشلول. يرمز هذا الطفل لعزيمة المصريين القوية التي تضل طريقها أحياناً بسبب غياب العلم والوعي، مما يؤدي إلى هدر الطاقات في مسارات غير منتجة.
تزامن العرض الأول للفيلم مع حملة اعتقالات طالت الشيخ إمام وعدد من الفنانين الذين شاركوا في العمل أو ارتبطوا بصداقة مع صناعه. ومن بين المعتقلين كان الفنان علي الشريف والمخرج المساعد علي بدرخان، مما يؤكد المناخ الأمني المشحون الذي أحاط بإنتاج وعرض هذه التحفة السينمائية.
يظل 'العصفور' وثيقة سينمائية وتاريخية ترصد لحظة الانكسار والتحول في التاريخ العربي المعاصر، متجاوزاً حدود السينما الروائية إلى آفاق التحليل السياسي. لقد نجح شاهين في جعل الفيلم مرآة تعكس تناقضات المجتمع المصري بين الدعاية الرسمية والواقع المعاش في القرى والأزقة.
إن ترميم نسخة 'النيل والحياة' وعرضها في عام 2020 أعاد الاعتبار لمشروع شاهين السينمائي الذي كان يسبق عصره في نقد السلطة والارتباط بالناس. هذه الأفلام لم تكن مجرد ترفيه، بل كانت محاولات جادة لفهم أسباب الهزيمة وكيفية النهوض منها عبر المواجهة والمكاشفة لا عبر الشعارات الجوفاء.
في الختام، يمثل 'العصفور' صرخة احتجاجية ضد كل أشكال الوصاية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، مؤكداً أن الحرية هي السبيل الوحيد للنصر. وتبقى شخصية بهية وصرختها المدوية ملهمة للأجيال المتعاقبة في بحثها عن العدالة والكرامة الوطنية بعيداً عن زيف الخطابات الرسمية.





שתף את דעתך
عصفور يوسف شاهين: قراءة في تمرد السينما على هزيمة حزيران وصراع الأجيال