ה 15 ינו 2026 9:52 am - שעון ירושלים

العمدة الشاعر الإنسان

بهاء رحال

تعود معرفتي الحقيقية بالشاعر والروائي الصديق ماجد أبو غوش إلى عام 2012، حين كان يمتلك دار نشر «الماجد» في رام الله، ومن خلال الشاعرة الإنسانة زهيرة زقطان، التي دفعتني لإصدار أول ديوان شعري، وربما آخر ديوان، والذي رعته رعاية تامة، واحتفينا بصدوره في مكتبة دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله مطلع شباط 2012.
هناك كان اللقاء الأول الذي جمعني مع «العمدة»، كما بتُّ أناديه، وهو الاسم الذي يحبه، وبتنا نحبه معه، والتصق به التصاق الاسم بالمعنى. وفي تلك اللحظة تصافحنا، وجلس إلى يمين القلب، بينما جلس الصديق توفيق العيسى إلى جوارنا. ومن ثم تواصلت اللقاءات والرسائل والحوارات حتى آخر اتصال بيننا، والذي كان يشترك فيه الصديق رامي مهداوي، حين وجدت العمدة يهديه روايتي «الليل الأزرق»، وهما يجالسان الوقت في رام الله، وأنا أجالس وقتي في بيت لحم.
وبرغم أن المسافة قصيرة بيننا، لم أتمكن في ذلك المساء من اللحاق بهم ومشاركتهم الأمسية التي، من أصواتهم، عرفت أنها غنية بكل نص وقصيدة، ورهيبة بمحاولات الفرح، رغم أن الحال لم يكن في أفضل حال؛ فحرب غزة المستعرة غطت على كل فرح، وغاصت القلوب في الدمع والبؤس والأحزان.
رحل ماجد، الذي لم أكن أفكر يومًا أن أرثيه، أو أكتب عن سيرة حياة إنسان كتب سيرته، وسيَّر من معه في قصائد وقصص وروايات، حفظ لكل واحد فيها دور البطولة، وحافظ على وصل من عرفهم أحياءً وأمواتًا، وعلى قيد النجاة. كان يتخذ للآخرين أدوار البطولة، ويخفي ما استطاع دوره، كعادة الكبار الذين لا تغريهم فكرة الأضواء، بقدر ما يعنيهم ارتباطهم الإنساني العميق، الذي يمد جسورًا من الوفاء، ويصنع صداقات لا تموت ولا تُنسى.
……………..
رحل ماجد، الذي لم أكن أفكر يومًا أن أرثيه، أو أكتب عن سيرة حياة إنسان كتب سيرته، وسيَّر من معه في قصائد وقصص وروايات، حفظ لكل واحد فيها دور البطولة، وحافظ على وصل من عرفهم أحياءً وأمواتًا، وعلى قيد النجاة.

………………..
بعد عامين من معرفتي الأولى بـ«العمدة» أبو غوش، أصدر ديوان «عصيان»، وقد جاء إلى بيت ساحور لإصداره في احتفاء حميم دافئ. أنشد فيه الشعر، وكعادته قرأ قصائده التي تجمع الحب في وصل البلاد، والعشق في هوى الوطن والملكات. فكانت أمسية من أمسياته التي تعرفت فيها أكثر على ماجد، الذي ستجمعني به عديد الأمسيات، وقليل من اللقاءات، وإن كان بيننا تواصل دائم عبر «الماسنجر» والاتصالات التي ما انقطعت بين الفينة والأخرى.
لا أتذكر كم مرة التقينا على هامش الأمسيات في متحف محمود درويش، وكثيرة هي المرات التي خطفتنا فيها خطواتنا نحو مقتنيات درويش، وبعض أثره الذي احتضنه المتحف، وقرأنا بعضًا من نصوصه عند مقامه، الواقع في المنتصف بين ضفتين، كأنهما كتاب مفتوح للحياة والنجاة ما بعد الحياة. وكل من عرف العمدة عن قرب يعرف تمامًا كيف يمكن أن تسير الحوارات بسلاسة وطلاقة، من دون استئذان.
في معرض الكتاب الأخير عام 2023، التقينا في رام الله. كان، كعادته، يمسك سيجارته ويبتسم وهو يصافحني قائلًا: «أهلًا يا رفيق». هو يعرف أنني لست «رفيقًا» بمعناها الحزبي، لذلك أقبلها بمعناها الإنساني، ومعناها الأخوي الدافئ. في تلك اللحظات، أتذكر أنه انضم إلينا عدد من الأصدقاء، وخطفتنا الأفكار إلى ما هو أبعد من حدود المعرض وعوالم الكتب، إلى الحالة السياسية والواقع الاجتماعي.
جاءت بعدها الحرب، وتعثرت اللقاءات، وامتدت الحوارات عبر مواقع الاتصال، حتى سقط الخبر كالصاعقة. وكنت، كما غيري من الأصدقاء، نظن أن العمدة سينجو ويقوم ثانية، وأنه لا يزال قادرًا على مجابهة الموت والانتصار عليه، بيد أن يد الموت هذه المرة كانت عصيّة على العصيان، فخطفته ورحل سريعًا بهدوء، ولم يمنحنا فرصة أخرى للقاء.
قلتَ لي: سنذهب قريبًا إلى البحر
نصطاد القصائد ونأكل السمك...
سكتت القصيدة يا ماجد...
هدأ نشيد البحر...
لا موج يحمل شراع المعنى،
ولا ذئب يحرس الغزالة في البرية

תגים

שתף את דעתך

العمدة الشاعر الإنسان

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.