ו 09 ינו 2026 10:40 am - שעון ירושלים

التوعية السياسية والمُمكن في العقل الفلسطيني اليوم

يزن سمارو

في لحظة فلسطينية مثقلة بالأزمات المركّبة، حيث يتداخل الاحتلال مع الانقسام، وتتراجع السياسة أمام إدارة الأزمات اليومية، تبرز التوعية السياسية بوصفها حاجة ملحّة لا يمكن تأجيلها. غير أنّ السؤال الجوهري لم يعد: هل نحتاج إلى التوعية؟ بل أيّ توعية نريد، ولأيّ عقل سياسي تُوجَّه؟ فبين فائض الخطاب وندرة التفكير النقدي، تبدو المفارقة صارخة في المشهد الفلسطيني الراهن.

التوعية السياسية، في معناها العميق، ليست نقلًا للمعلومة ولا إعادة إنتاج للشعارات، بل هي ممارسة نقدية تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الواقع وإمكانات تغييره. غير أنّ ما يُقدَّم اليوم في كثير من الأحيان لا يتجاوز توصيف المأزق أو التكيّف معه، من دون مساءلة جذرية لأسبابه أو تفكير جدّي في مسارات الخروج منه. وهنا يكمن الخلل: حين تتحوّل التوعية إلى شرحٍ متكرر لما نعرفه أصلًا، تفقد قدرتها على إحداث أثر حقيقي في الوعي الجمعي.

في السياق الفلسطيني، لا يمكن فصل التوعية السياسية عن مسؤوليتها في كشف آليات إنتاج العجز، سواء كانت مفروضة من الخارج أو متراكمة في الداخل. فالإصرار على ردّ كل اختلال إلى العامل الخارجي وحده، رغم مركزيته، يعفي البُنى السياسية والاجتماعية المحلية من أيّ مساءلة، ويُضعف قدرة المجتمع على مراجعة تجربته بصدق. والوعي الذي لا يُمارس النقد الذاتي يتحوّل سريعًا إلى وعي دفاعي، يُبرّر أكثر مما يُغيّر.

أمّا المفكّر الفلسطيني، فيجد نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يحافظ على استقلاليته الفكرية في بيئة استقطابية حادّة، دون أن يتحوّل نقده إلى موقع عزلة أو سوء فهم؟ غير أنّ خطورة المرحلة تفرض على العقل النقدي ألا يكتفي بالتحليل المتوازن، بل أن يسهم في توسيع أفق النقاش العام، وأن يُعيد الاعتبار لثقافة السؤال والمساءلة، باعتبارهما شرطين أساسيين لأي فعل سياسي واعٍ.

من هنا، يصبح الحديث عن “المُمكن” ضرورة فكرية لا ترفًا نظريًا. فالمُمكن الفلسطيني ليس ما نتمناه ولا ما تسمح به اللحظة فقط، بل ما يمكن بناؤه تدريجيًا عبر فهم دقيق لموازين القوى، وتراكم وعي اجتماعي قادر على تحويل المعرفة إلى فعل. إنّه ممكن يتشكّل حين نُدرك حدود القوة وحدود الخطاب معًا، وحين نميّز بين الواقعية السياسية والاستسلام المقنّع بلغة العقلانية.

التحدّي الأكبر الذي يواجه التوعية السياسية اليوم لا يكمن في قلّة المنابر، بل في ضيق السقف الذي يُسمح للتفكير بالتحرّك داخله. فحين يُختزل النقاش السياسي في تحسين شروط الواقع القائم، دون طرح أسئلة جوهرية حول بدائله، يصبح الوعي أداة ضبط لا أداة تحرّر. والتوعية التي لا تُربك المسلّمات ولا تُحفّز على التفكير المختلف، تخاطر بأن تتحوّل إلى جزء من المشكلة التي تسعى لمعالجتها.

إنّ المُمكن الفلسطيني يبدأ من استعادة الثقة بالعقل، وبقدرته على الفهم والتأثير، ومن إعادة وصل المعرفة بالفعل السياسي والاجتماعي. فحين يُدرك الفلسطيني موقعه في الصراع، ويفهم تعقيداته دون تهويل أو تبسيط، يصبح أكثر قدرة على مقاومة التضليل، وأقلّ قابلية للانجرار خلف خطاب عاطفي أو تبسيطي.

في المحصّلة، التوعية السياسية ليست خطابًا نخبويًا يُلقى من علٍ، بل عملية تفاعلية تُراكم الوعي وتُعيد الاعتبار للفعل الجماعي. وفي زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتضيق فيه الإجابات الجاهزة، يبقى الرهان على عقلٍ نقدي يرى في التفكير نفسه شكلًا من أشكال المقاومة، وفي توسيع أفق الممكن شرطًا لأي مشروع تحرّر وطني قابل للحياة.

תגים

שתף את דעתך

التوعية السياسية والمُمكن في العقل الفلسطيني اليوم

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.