أثارت حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي جدلًا واسعًا حول دلالاتها السياسية، حيث رأى فيها بعض المراقبين تأكيدًا على استمرار القوة الأمريكية وقدرتها على فرض إرادتها خارج حدودها. غير أن هذا التفسير، رغم شيوعه، يبدو سطحيًا إذا ما أُخضع الحدث لتحليل فلسفي أعمق. فالتاريخ السياسي ونظريات السلطة يشيران إلى أن استخدام القوة المباشرة ليس بالضرورة علامة قوة، بل كثيرًا ما يكون مؤشرًا على تراجع النفوذ.
في ذروة الهيمنة، لا تحتاج الدول العظمى إلى التدخل الفجّ أو القسر العلني. النفوذ الحقيقي هو ذاك الذي يعمل بصمت، حين تصبح إرادة الدولة المهيمنة جزءًا من منطق النظام الدولي نفسه. في تلك المرحلة، لا تُعتقل القيادات السياسية، بل تُعزل سياسيًا، ولا تُختطف الأنظمة، بل تُعاد صياغتها من الداخل. من هنا، فإن اللجوء إلى القوة الصريحة يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لم تعد أدوات النفوذ غير العنيفة كافية؟
يقدّم ماكيافيلي مفتاحًا مبكرًا لفهم هذه المفارقة حين يربط بين الاستقرار السياسي وتقليل استخدام العنف. فالحكم المتماسك، في نظره، هو الذي يجعل الطاعة طبيعية لا مفروضة. وبالقياس على ذلك، فإن اعتقال رئيس دولة أجنبية لا يدل على إحكام السيطرة، بل على تعثّرها، وعلى فشل القدرة على توجيه المسار السياسي بوسائل أقل كلفة وأكثر استدامة.
أما أنطونيو غرامشي فيذهب أبعد من ذلك حين يميّز بين “الهيمنة” و“السيطرة”. الهيمنة تقوم على القبول، على اقتناع النخب والشعوب بشرعية النظام القائم، بينما تبدأ السيطرة حين ينهار هذا القبول ويحلّ محله القسر. ووفق هذا المنظور، يمكن قراءة حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي بوصفها علامة انتقال: من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة قادرة على قيادة النظام الدولي عبر الإجماع، إلى مرحلة باتت تُضطر فيها إلى التدخل المباشر لأن الهيمنة لم تعد تعمل.
من زاوية أخرى، يقدّم ميشيل فوكو فهمًا مختلفًا لطبيعة السلطة، إذ يرى أن السلطة الأكثر فاعلية هي تلك التي لا تُرى، لأنها تتجسّد في الخطاب والمعرفة وتنظيم الممكن. وعندما تتحوّل السلطة إلى فعل أمني مكشوف، فإنها تفقد كثيرًا من فعاليتها الرمزية. إن اعتقال رئيس دولة ليس تعبيرًا عن سلطة واثقة، بل عن سلطة مضطرة إلى الظهور، والسلطة التي تُضطر إلى الظهور تكون غالبًا في موضع دفاعي.
ويكتمل هذا التحليل مع مفهوم “القوة الناعمة” لدى جوزيف ناي، الذي يربط النفوذ المستدام بالقدرة على الجذب والإقناع لا الإكراه. فالولايات المتحدة في ذروة نفوذها لم تكن بحاجة إلى استخدام القوة المباشرة بهذا الشكل، لأن نموذجها السياسي والاقتصادي كان كافيًا لفرض اتجاهاته. أما اليوم، فإن اللجوء إلى القوة الصلبة يشير إلى تآكل تلك الجاذبية، وإلى عجز متزايد عن تحقيق الأهداف عبر الإقناع وحده.
من هنا، لا يمكن قراءة حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي كدليل على عظمة القوة الأمريكية، بل كإشارة إلى تحوّل أعمق في موقعها داخل النظام الدولي. إنها لحظة تكشف قلق القوة لا ثقتها، وتعبّر عن محاولة الحفاظ على نفوذ لم يعد يعمل تلقائيًا كما في السابق.
في المحصلة، فإن التاريخ يعلّمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط حين تعجز عن استخدام القوة، بل حين تُجبَر على استخدامها باستمرار. فالدولة العظمى في صعودها تُقنِع، وفي ذروتها تُطاع، أما في مرحلة التراجع، فإنها تُكثِر من القسر لأنها فقدت القدرة على القيادة. وبهذا المعنى، تصبح حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي ليست استعراضًا للقوة، بل علامة على أفول مرحلة وبداية أخرى أكثر اضطرابًا في النظام العالمي
א 04 ינו 2026 11:27 am - שעון ירושלים
حين تتحوّل القوة إلى دليل ضعف: قراءة فلسفية في حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي
بقلم الاسير المحرر رائد نزار عبد الجليل





שתף את דעתך
حين تتحوّل القوة إلى دليل ضعف: قراءة فلسفية في حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي