وبشفتين مرتجفتين، وعينين دامعتين، من لسعة البرد القارسة، وقف محمدٌ ذو الأعوام الخمسة، بجوار خيمته الممزقة، ومعه أشقاؤه يرتدون ملابس صيفية، بينما تلفح وجوهَهُم رياحٌ مصحوبةٌ بأمطارٍ غرّاقة، انسربت سحرًا إلى فرشهم وأغطيتهم الخفيفة، فيما ينشغل الوالدان بإخراج المياه، وتدفئة الأولاد بما تبقّى من أغطيةٍ لا تقي الأجساد الغضة من لسعة البرد، التي تخطّفت أرواح العديد من الأطفال حديثي الولادة، بعد أن توقفت قلوبهم عن الخفقان انجمادًا من شدة البرد.
ما يُكابده الأطفال في القطاع المنكوب يستدعي استجابةً عاجلةً بإدخال الفرش والأغطية الدافئة مع الخيام المتكدسة في شاحناتٍ متوقفةٍ على المعابر منذ أشهر ، فيما تتواصل بيانات الشجب والإدانة والدعوات من قبل المنظمات والهيئات الإنسانية بسرعة الإغاثة، ولا تجد لها صدى لدى الدولة المارقة، التي استمدت تجاهلها من اطمئنانها بإفلاتها من العقاب وهي ترتكب إبادةً متدحرجةً طيلة حولين كاملين، ولا تزال تقارفها ببطءٍ عبر عمليات القتل عند الخط الأصفر، الذي لا يعرف الضحايا له حدودًا وهو يزحف ليلًا ليجدوه أمام خيامهم صباحًا.
في ليالي الشتاء الباردة، حيث ينخر البرد العظم، ينام أطفال غزة بالعراء، وسط الخوف والجوع والمرض وغياب الأفق بغدٍ يُنهي معاناتهم، ويدفئ قلوبهم المرتجفة، ويُطمئن نفوسهم غير المطمئنة.
وبينما يحرص الناس في ليالي الشتاء على تزجية أوقاتهم بجوار مدافئهم، يأكلون ويشربون، ويسهرون وينامون ملء جفونهم، فإن الوقت في غزة من دمٍ وبردٍ وخوفٍ وجوعٍ ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات.
لا نملك في هذه الليالي الحالكات سوى أن نرفع أكفّ الضراعة إلى العلي القدير بأن يُطعم أهلنا بالقطاع من جوع، ويأمنهم من خوف، ويُدفئ قلوبهم من لسعة البرد.
א 28 דצמ 2025 9:48 am - שעון ירושלים
بقدمين حافيتين!
ابراهيم ملحم





שתף את דעתך
بقدمين حافيتين!