א 09 נוב 2025 8:28 am - שעון ירושלים

واشنطن تمهّد لعودة مشروطة لسوريا إلى الفلك الأميركي

واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات

يصل الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى العاصمة الأميركية واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض يوم الاثنين، والتوقيع على انضمام بلاده إلى "التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية". وتُروَّج الزيارة في الإعلام الأميركي بوصفها "انفراجة تاريخية" تعيد دمشق إلى المشهد الدولي، لكنها تخفي وراءها مشروعاً سياسياً أكثر تعقيداً من مجرد تعاون ضد الإرهاب، إذ تسعى واشنطن من خلالها إلى إعادة ربط سوريا بالمنظومة الأميركية الإقليمية وفق شروطها الخاصة، لا وفق أولويات السوريين.

من العزلة إلى الاصطفاف الأميركي

تُعد هذه الزيارة الثانية بين ترمب والشرع بعد لقائهما الأول في الرياض في أيار الماضي، حين عرض الرئيس الأميركي على نظيره السوري ما سماه "فرصة لصنع التاريخ"، مقابل الالتزام بخمس قضايا أساسية تمس جوهر السيادة السورية: الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام" مع إسرائيل؛ طرد المقاتلين الأجانب؛ ترحيل الفصائل الفلسطينية المسلحة؛ التعاون مع الولايات المتحدة ضد "داعش"، وتولّي إدارة معتقلات التنظيم في شمال شرقي البلاد.

في المقابل، وعد ترمب بتطبيع العلاقات الدبلوماسية، ورفع العقوبات، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأميركية والخليجية. لكن المسار الذي يُرسم لدمشق لا يبدو طريقاً نحو الاستقلال، بقدر ما هو عودة مشروطة إلى الفلك الأميركي، تعكس رغبة واشنطن في توسيع نفوذها الإقليمي وتطويق خصومها التقليديين.

من عدو إلى شريك

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول الماضي، تنظر واشنطن إلى حكومة الشرع باعتبارها فرصة لتصحيح ما تسميه "الخطأ الاستراتيجي" حين تركت الساحة السورية لروسيا وإيران. والمفارقة أن الشرع، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني، زعيم "هيئة تحرير الشام" وأحد أبرز قادة تنظيم القاعدة في سوريا، كان حتى 8 كانون الأول 2024، هدفاً لمكافأة أميركية قيمتها عشرة ملايين دولار.

تحوّل الرجل من "إرهابي مطلوب" إلى "شريك سياسي" محتمل يعكس تحوّلاً في أولويات الولايات المتحدة، لا في قناعات الشرع نفسه. فواشنطن، التي اعتادت توظيف خصوم الأمس متى اقتضت مصالحها، ترى في الرئيس السوري الجديد أداة مناسبة لإعادة هندسة المشهد السوري بما يخدم أجندتها في الشرق الأوسط.

إعادة هندسة سوريا الجديدة

تحت شعار "إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي"، تعمل إدارة ترمب على إعادة صياغة البنية السياسية والأمنية للبلاد. وهي تضغط على دمشق لتقليص النفوذ الإيراني، وفتح قنوات تطبيع تدريجي مع إسرائيل، وقبول دمج "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن جيش وطني جديد بإشراف أميركي مباشر.

في الوقت ذاته، تتحدث تقارير استخبارية عن نية واشنطن إنشاء قاعدة جوية جنوب دمشق، في موقع استراتيجي يتيح لها مراقبة الحدود الأردنية والإسرائيلية والتحكم بخطوط الإمداد عبر البادية، ما يعني عملياً توسيع الوجود العسكري الأميركي وتثبيته كأمر واقع.

تعاون أمني أم وصاية مقنّعة؟

منذ مطلع العام، توسّع التنسيق الأمني بين القوات الأميركية وأجهزة الشرع، وشهدت مناطق في ريف دمشق وحلب ودرعا عمليات مشتركة ضد خلايا "داعش" بإشراف ضباط من القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM). وفي أيلول الماضي، استقبل الشرع في دمشق قائد القيادة المركزية الأدميرال برادلي كوبر، الذي شكره علناً على "تعاونه في محاربة الإرهاب".

غير أن هذا التعاون يُقرأ في المنطقة باعتباره خطوة لترسيخ نفوذ أميركي طويل الأمد تحت غطاء "الحرب على الإرهاب"، لا مجرد شراكة مؤقتة. فالقواعد التي أنشئت شمالي سوريا بذريعة مكافحة "داعش" تحوّلت إلى مراكز مراقبة وتخزين لوجستي، والآن يبدو أن واشنطن تسعى إلى تكرار النموذج ذاته في الجنوب.

التطبيع ثمناً للبقاء

إلى جانب الملف الأمني، تطرح إدارة ترمب مسألة التطبيع مع إسرائيل كاختبار لمدى "نضج" النظام الجديد في دمشق. وقد أبدى الشرع استعداداً مبدئياً “لمناقشة الظروف المناسبة” للانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، شرط معالجة قضية الجولان المحتل.

وتشير مصادر دبلوماسية إلى اتصالات غير معلنة بين ضباط سوريين وإسرائيليين بوساطة أميركية، تهدف إلى التوصل لتفاهمات ميدانية تضمن أمن الحدود الجنوبية. وفي الوقت نفسه، نفّذت سلطات الشرع حملة ضد فصائل فلسطينية مسلّحة مثل "الجهاد الإسلامي" و"الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، في خطوة فُهمت على نطاق واسع بأنها "عربون ولاء" لواشنطن وتل أبيب.

مقايضة السيادة بالعقوبات

الهدف النهائي لكل هذه التحركات، كما ترى مصادر في الكونغرس، هو تمهيد الطريق لإلغاء العقوبات المفروضة على دمشق، وعلى رأسها "قانون قيصر، الذي اتُّخذ قرار مبدئي برفعه. غير أن المقايضة المطروحة — السيادة مقابل رفع العقوبات — تثير تساؤلات عميقة حول طبيعة الدولة السورية المقبلة، ومدى قدرتها على اتخاذ قراراتها الوطنية بمعزل عن الإرادة الأميركية.

إعادة تموضع لا مصالحة

مهما بدت زيارة الشرع إلى واشنطن "تاريخية" في ظاهرها، كونها أول زيارة لرئيس سوري لواشنطن، إلا أنها في جوهرها تشكّل فصلاً جديداً من مشروع الوصاية الأميركية على سوريا. فبدلاً من أن تُعيد البلاد إلى محيطها العربي المستقل، تسعى واشنطن إلى تحويلها إلى منصة تخدم إستراتيجيتها في تطويق إيران، وضمان أمن إسرائيل، والتحكم بممرات الطاقة في المشرق العربي.

أما الشرع، الذي يحاول التوفيق بين إرثه الجهادي كزعيم "جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام" ودوره الجديد كرئيس “معتدل”، فيبدو أنه يراهن على الدعم الأميركي كضمانة للبقاء في الحكم، حتى لو جاء ذلك على حساب استقلال بلاده ومستقبلها.

وهكذا، وبينما تسوّق واشنطن الزيارة المرتقبة كاختراق دبلوماسي، يراها كثيرون في المنطقة إعادة تموضع استعماري جديد، تُستخدم فيه شعارات "محاربة الإرهاب" و"الاستقرار الإقليمي" لتبرير وجود عسكري دائم في قلب سوريا — وعلى مقربة من دمشق هذه المرة.

תגים

שתף את דעתך

واشنطن تمهّد لعودة مشروطة لسوريا إلى الفلك الأميركي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.