لطالما اعتُبر اللوبي الإسرائيلي، وعلى رأسه لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، قوة لا يُستهان بها في السياسة الأميركية. لعقود، كانت قدرته على التأثير في الكونغرس وتوجيه السياسات الخارجية تجاه الشرق الأوسط – لا سيما ما يتعلق بفلسطين – أمرًا أشبه بالمسلمات. إلا أن التغيرات الأخيرة في المزاج الشعبي والسياسي، خاصة داخل الحزب الديمقراطي، تشير إلى بداية تآكل هذا النفوذ الراسخ.
تاريخ من الهيمنة: “منديل AIPAC” الشهير
في عام 1992، تجسّد نفوذ AIPAC في حادثة شهيرة عندما التُقط تسجيل لرئيسه آنذاك، ديفيد ستاينر، وهو يتفاخر بتأثيره على الرئيس جورج بوش الأب، وتغلغل اللوبي في الإدارة القادمة لبيل كلينتون. عندما سئل مدير السياسات في AIPAC، ستيفن روزن، إن كانت هذه الفضيحة ستضر بسمعتهم، رد بابتسامة: "هل ترى هذا المنديل الورقي ؟ خلال 24 ساعة يمكننا جمع توقيعات 70 سيناتورًا عليه".
هذا الرد، وإن بدا متعجرفًا، لم يكن بعيدًا عن الحقيقة في ذلك الوقت، حيث كان دعم إسرائيل شبه جماعي في الكونغرس، وكان انتقادها أمرًا محفوفًا بالمخاطر السياسية.
تراجع السيطرة: رسائل متناقضة في الكونغرس
لكن اليوم، المشهد يتغير. ففي تطور لافت في شهر أيلول الماضي، وزّع النائب الديمقراطي رو خانا رسالة تدعو للاعتراف الرمزي بدولة فلسطين، في خطوة تعارض التوجه التقليدي للديمقراطيين. المفاجأة كانت في حصول الرسالة على 47 توقيعًا من أعضاء الكونغرس، رغم حساسية القضية.
في المقابل، أطلق النائب جيك أوشينكلوس في اليوم ذاته رسالة مضادة تتبنى مواقف AIPAC المعتادة، مثل الدفاع عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" واعتبارها الحليف الأقرب للولايات المتحدة. ورغم دعم AIPAC وعدد من المنظمات الصهيونية، لم تحصد الرسالة سوى 30 توقيعًا فقط، معظمهم من أكثر الأصوات تأييدًا لإسرائيل داخل الحزب.
تغيّر المزاج الشعبي: دعم متزايد لفلسطين
التحول في المواقف السياسية داخل الكونغرس يعكس تحوّلاً أعمق في الرأي العام الأميركي. استطلاع رأي أجرته وكالة "رويترز/إبسوس" في شهر آب الماضي أظهر أن:
59% من الأميركيين يؤيدون اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين.
النسبة ترتفع إلى 78% بين الديمقراطيين.
82% من الديمقراطيين وصفوا أفعال إسرائيل في غزة بأنها “مفرطة”.
هذه الأرقام تعكس تزايد الوعي الشعبي بالقضية الفلسطينية، خاصة بين الأجيال الشابة الذين يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، بعيدًا عن التغطية المنحازة للإعلام التقليدي.
AIPAC في مأزق: من الضغط الخفي إلى التمويل المباشر
تاريخيًا، فضّلت AIPAC ممارسة نفوذها في الكواليس، لكن مع تراجع تأثيرها التدريجي، اضطرت إلى الانخراط المباشر في تمويل الحملات الانتخابية، وهو ما كشفه دعمها الصريح لإسقاط نواب تقدميين مثل جمال بومان (من نيويورك) وكوري بوش (من ولاية ميزوري).
ورغم الأموال الطائلة التي أنفقت في تلك الحملات، لم يكن النجاح مضمونًا: فبوش خسرت بفارق ضئيل، بينما احتاجت حملة الإطاحة ببومان إلى إعادة ترسيم دائرته الانتخابية. هذه النتائج تشير إلى أن المال لم يعد كافيًا لشراء الأصوات في ظل تنامي الوعي الشعبي.
آفاق المستقبل: هل بدأ العد العكسي لنفوذ اللوبي؟
تواجه AIPAC اليوم تحديًا وجوديًا داخل الحزب الديمقراطي، حيث بات دعمها عبئًا سياسيًا على العديد من المرشحين. يسعى اللوبي حاليًا للتمويه، عبر دعم إعلانات تتحدث عن قضايا داخلية دون الإشارة إلى إسرائيل، واستخدام كيانات مثل “مشروع الديمقراطية المتحدة” بدلًا من AIPAC-PAC.
لكن هذه الاستراتيجيات قد لا تكون كافية في مواجهة التغيرات الجذرية في الرأي العام. فالناخبون الديمقراطيون، بل وحتى المستقلون، باتوا أكثر وعيًا ورفضًا للتفويض المطلق الممنوح لإسرائيل، ولم يعودوا يتقبلون الخطاب التقليدي غير المشروط.
خطوة أولى في طريق طويل
أفول نفوذ AIPAC لا يعني بالضرورة تغيرًا فوريًا في سياسات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل وفلسطين، لكنه مؤشر على بداية تحوّل طال انتظاره. كسر سطوة اللوبي في واشنطن قد يكون الخطوة الأولى نحو سياسة خارجية أكثر عدلاً وتوازنًا. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، إلا أن التقدم المحرز حتى الآن يدعو للتفاؤل.





שתף את דעתך
أفول نجم اللوبي الإسرائيلي في واشنطن: تحوّلات في الرأي العام والقرار السياسي الأميركي