ג 29 יול 2025 9:46 am - שעון ירושלים

غزة ولينينغراد.. الحصار وصمود المدن

بهاء رحال

عُدتُ بالأمسِ لمشاهدةِ بعضِ الحلقاتِ الوثائقيةِ المسجَّلةِ حول حصار لينينغراد (سانت بطرسبورغ حالياً) من قِبل القواتِ النازيةِ الألمانيةِ وحلفائها، وكنتُ من قبلُ ذلك أقرأُ حول المدينةِ التي خرج منها أهمُّ الكُتّابِ العالميينَ والفنانينَ والمسرحيين، وهي تموتُ بفعلِ الحصارِ وخرابِ الحرب، والبرد الشديد وانقطاع الطعام والدواء عنها، لكنها لم ترفعِ الرايةَ البيضاء، ولم تُسلِّم أو تستسلم، بل أعادت بناءَ ذاتِها، وحافظت على تاريخِها وحضورها، وصنعت أمجادًا تحفظُها الأجيالُ حتى اليوم.

وما أشبهَ الماضي باليوم؛ فما حدث في لينينغراد على مدار 872 يوماً يحدث هذه الأيام في غزّة، التي تعيش تحت حرب إبادةٍ مستمرة منذ قرابة 660 يوماً، في بقعةٍ جغرافيةٍ أصغرَ كثيراً من حيثُ المساحة، إلا أن الشجاعةَ فهي واحدة، وروحَ البقاءِ والالتصاقِ بالوطنِ كذلك، والثباتَ على الأرض، مع أن هناك فوارقَ عديدة، منها التحالفاتُ والإمداداتُ التي كانت تخترقُ الحصارَ بين وقتٍ وآخر، وهذه غيرُ موجودةٍ في غزّة، المُحاصرةِ بحصارٍ يشتدُّ، ولا إمدادَ يأتي من أحد، والجوع يتسلّل ليفتكَ بالأطفالِ والشيوخِ والنساء، ولا طعام ولا غذاء ولا دواء، وهم في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، بعد أن دمرت البيوت وهدمت الأبراج والمنازل.

إنّ غزّة التي تعيش أبشعَ إبادةٍ وقتلٍ في التاريخِ المعاصر، حيث أُعدِم الكُتّابُ والفنّانونَ والرسّامونَ والموسيقيّونَ والأطبّاءُ والمهندسونَ والمحامونَ والمبدعون، ودُمِّرت الآثارُ، بل مُحيت بالكاملِ بقنابلَ أُلقيت عليها تزنُ أطناناً من المتفجّرات، ولا تزال تتعرض للحصار والقتل والقصف، بينما يشهد العالم بالصوت والصورة ما يحدث، ويرى كيف يموت الأطفال جوعًا، ويشاهد صور أجسادهم هياكل عظمية ولا يتحرك لوقف هذه الإبادة، بل يواصل من دون خجل مشاهدة ما يحدث في ظل دعم أمريكي كامل للاحتلال الذي يمده بالقوة والعتاد ويوفر له الغطاء السياسي في كل محفل دولي.

إنها بشاعة غير مسبوقة في التاريخ، أن يشهد العالم هذه الإبادة ولا يتحرك لوقفها، وأن يبقى صامتًا أمام جرائم الحرب التي ترتكب من خلال التجويع العمد حتى الموت، والقصف المستمر وعدم وقف الحرب، بل وقصف مراكز المساعدات التي أقيمت تحت إدعاء توزيع الغذاء، وكانت مصائد للموت، فحصدت الكثير من الأرواح، وشطبت عائلات من السجل المدني، ثم لم توصل الطعام والدواء للناس الجوعى، وبقي التجويع سياسة قهرية حتى الموت، تمارس مع سبق الإصرار والترصد، وبقي الحصار يضيق حياة الناجين حتى الآن ممن بقوا على قيد الحياة.

بعد أن شاهدت وقرأت ما قرأت حول حصار لينينغراد، يمكن القول أن ما يحدث اليوم في غزة أكثر بشاعة ودموية وأكثر خرابًا وحصارًا ودمارًا، وأنها تعيش عزلة لم تعشها مدينة تحت الحصار من قبل، وأن غزة اليوم مدينة تحتضر أمام عين العالم الذي يقف متفرجًا على موتها، فكل التحركات التي تحدث لا تزال خجولة وباهتة، ما دامت عاجزة عن وقف الإبادة وفك الحصار.

Powered by Froala Editor

תגים

שתף את דעתך

غزة ولينينغراد.. الحصار وصمود المدن

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.