ד 11 יונ 2025 9:17 am - שעון ירושלים

عائد من الجحيم!

ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

ابراهيم ملحم

وصلتني هذه الرسالة من عائدٍ من جحيم "المساعدات الإنسانية"، بعد أن غامر بحياته لكي يظفر بما يقتات به، وينقذ أولاده من المسغبة المتوحشة التي تنهش أمعاء الجياع بلا رحمة… أنشرها كما وصلت دون تدخل، لأنها تفوق كل ما كُتب ويُكتب في وصف ما يتعرض له الجائعون في القطاع من عذاب:  
كنتُ قد عزمتُ النية على الذهاب إلى "نتساريم" للحصول على سلةٍ غذائية، مصطحباً معي ابن أخي أحمد، هذا الشاب المتفوّق في الثانوية العامة، الذي أصبح المعيل الوحيد لعائلته.
ولكي نكون من أوائل الواصلين، خرجنا من البيت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ظنّاً منا أننا بذلك نسبق الزحام.
بعد ساعةٍ من المشي، وصلنا إلى مدخل النصيرات، وإذ بعشرات الآلاف يتكئون على الجدران، والكل يهمس: "اخفض رأسك ولا تتحرّك، هناك قنّاص يضرب كل من يتحرّك".
قال لي ابن أخي: "لا تأبه، دعنا نكمل، هؤلاء يأتون يوميّاً ولا يحصلون على شيء".
تقدّمنا حتى وصلنا إلى مدخل البريج، وكان المشهد مشابهاً، لكن هنا قالوا لنا: "هناك قنص، وشهداء ملقون على الشارع".
ارتفعت درجات الخوف، لكن أحمد أصرّ: "دعنا نتقدّم أكثر".
واصلنا حتى وصلنا إلى "الكازيّة"، وكان العدد هناك أقل، لكن الخوف أكبر.
قلت له: "يجب أن نتوقّف، أصبحنا مكشوفين، ونسمع الرصاص يصفّر من حولنا، والقذائف تضرب كل المحيط".
نظر إليّ ابن أخي بدهشة، وقال: "ننتظر مَن؟ أن يسمحوا لنا؟!".
وقبل أن أردّ، قال: "الآن سنتجمّع 50 أو 60 شخصاً، نرفع أيدينا ونركض نحو الحاجز. هذا هو الحل للدخول".
قلت له: "سيقتلوننا!".
قال: "أنت وحظك، وإن ركضت فلا تبحث عني، سنفترق، ولن نلتقي إلا بعد العودة... هذا إن عدنا".
قلت لنفسي: "هي مغامرة قاتلة، لكن أولادي يستحقون أن أموت من أجل لقمة عيشهم... أو هكذا كنت أظن".
بعد 20 دقيقة من الترقّب، تجمّعنا قرابة 50 شخصاً، وبيننا خمس فتيات لم يتجاوزن العشرين.
كنا عيّنة اختبارية لباقي الحشود... الكل يراقب: هل سيدخلون؟ أم يُقتلون؟
استجمعنا شجاعتنا، استعنّا بالله، ردّدت الشهادة مرات، وانطلقت بنا الأقدام.
ما هي إلا لحظات حتى دوّى صفير الرصاص، والمصابيح الليلية كشفتنا، وبدأت المأساة:
شهداء بلا رؤوس، آخر يئنّ، وآخر يقول: "كتفي"، وآخر: "صدري"، وأنا أنظر خلفي، فإذا الطريق قد امتدّت...
العودة موت، والتقدّم موت، لكنني أكملت، قلت: "إنْ نجوتُ، فلن أعود أبداً".
زحفت على الرصيف بين الجثث، حتى وصلت قرب بيتٍ مهدّم، هرولت هارباً…
أحمل على ظهري الخيبة والفشل، وأتساءل: "كيلو طحين مقابل حياتي؟! هل نحن بهذا الرخص؟!".
لقد لعبوا بنا لعبة "القنّاص والطعام"، وكنا نحن الفئران الجائعة.
مزّقونا، وهشّموا هويتنا، كدت لا أعود إلى أولادي...
رأيت الشهيد ممدّداً، ولا أحد يجرؤ على لمسه، فالرصاصة التالية بانتظارك،
ورأسه تدحرجت بعيداً، تركلها الأقدام المرتجفة من الخوف.
أما أحمد، فقد عاد ببعض المساعدات، وقال لي:
"أنا شاب، لست أباً ولا زوجاً، إن لم أمُت قنصاً، فسأموت جوعاً".
وصلتُ البيت الرابعة فجراً…
نظرتُ إلى أولادي النائمين، وقلبي يضجّ بالحمد...
صلّيتُ شكراً لله، وبكيت.
 
ملاحظة:
المؤسسة تعلن عبر صفحاتها أنّ توزيع المساعدات يبدأ الساعة 6 صباحاً، لكن الحقيقة أنهم يفتحون البوابات الساعة 4 فجراً، لتكون الذريعة جاهزة...

תגים

שתף את דעתך

عائد من الجحيم!

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.