يشكل سقوط النظام السوري بقيادة الرئيس بشار الأسد لحظة تاريخيّة فارقة ستترك أثراً كبيراً، وستحمل معها على الأرجح تغييرات جذرية على مختلف مستويات الدولة محلياً، إضافة للساحتين الإقليمية والدولية، وفي الوقت الذي انتهت فيه حقبة الأسد بعد ٥٣ عاماً من الحكم، ٢٩ عاماً للرئيس السابق حافظ، و٢٤ عاماً لنجله بشار، تُطرح العديد من الأسئلة المهمة، وفي مقدمتها مستقبل سوريا بعد هذا الانقلاب.
لا شك أن المشهد سيكون ضبابياً، ولا يستطيع أحد أن يجزم بما ستؤول إليه الأوضاع، فالسيناريوهات الفوضوية قد تطل برأسها بقوة نظرا لتعدد فصائل وأحزاب وحركات المعارضة، وبعضها متشدد مثل داعش والنصرة التي تسعى لتهديد دول مجاورة في مقدمتها العراق ولبنان، وبعضها قد لا يقبل بالحلول السلمية والانتقال السريع للسلطة في ظل الفئوية الحزبية والدينية وتنوع الفصائل المسلحة، وانتظار مواقفها وتعهداتها للحكم على كيفية رسم المشهد الخاص بمستقبل سوريا، وهل ستنجر إلى حرب أهلية واقتتال داخلي كما حدث في العراق، أم أن روح التسامح والوطنية التي تجمع مكونات الشعب السوري ستكون هي الضمانة الأساسية للاستقرار؟
هذا السؤال المهم ستتم الاجابة عنه سريعاً من خلال ما تفرضه الوقائع الميدانية وسط خلافات في اجتهادات المحللين، ففي الوقت الذي يميل فيه بعض الخبراء إلى أن إشراك كافة فئات الشعب السوري ومكوناته في صياغة مستقبل البلاد سيعزز فرص الاتفاق والتوافق وسيجنب سوريا خطر النزاعات، فإن الخلافات الفكرية وتنوع الفصائل وغياب الوحدة التنظيمية قد تنذر بصراعات مختلفة، خصوصاً من الجماعات المتشددة التي تطالب بمواصلة القتال حتى إقامة الخلافة الإسلامية.
وعلى المشهد الإقليمي والدولي، هناك تحذيرات جادة من أطماع بعض الدول، وفي مقدمتها إسرائيل التي تقدم جيشها أمس بعمق ١٤ كيلومتراً في الأراضي السورية، واحتل الجزء المتبقي من جبل الشيخ السوري، وسيطر على القنيطرة ووصل إلى خط الهدنة الخاص باتفاق فصل القوات الموقع في عام ١٩٧٤ معلناً انهيار هذا الاتفاق، والإعلان الواضح بمهاجمة مراكز ومواقع السلاح الاستراتيجي حتى لا يقع في أيدي قوى المعارضة، إضافة لتركيا التي تسعى للعب دور جاد في ضوء التطورات الراهنة والسيطرة على بعض مناطق شمال سوريا، بينما الولايات المتحدة ستعيد تقييم وجودها العسكري وستحاول القيام بدور دبلوماسي أكبر، لا سيما أن الدور الروسي والإيراني كان ضعيفاً ولم يؤثر في وقف تقدم قوى المعارضة، وعليه قد تركز روسيا على الساحل السوري للحفاظ على تواجدها، بينما إيران كانت الجهة الأكثر استهدافاً، حيث إن سقوط نظام الأسد يعني انحسار دورها ونفوذها في سوريا.
تقودنا هذه الفرضيات للحديث عن الدور العربي، وهو أحد الأدوار المهمة، وبقراءة متأنية للمشهد الحالي،فان هدف العرب في هذه المرحلة يفترض أن يتجه نحو مساندة الشعب السوري وتوحيد قوى المعارضة، خشية أطماع ونفوذ أجنبية، والضغط للحفاظ على وحدة الأراضي السورية، واحترام إرادة وخيارات الشعب السوري الشقيق، بما يضمن أمنه واستقراره والحفاظ على منجزاته، كما جاء في بيان الرئاسة الفلسطينية العميق والمؤثر، الذي ينادي أيضاً بتغليب جميع الأطراف السياسية لمصالح الشعب السوري، بما يضمن استعادة دور سوريا المهم في المنطقة والعالم، والذي يصب في نهاية المطاف في مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة نحو الحرية والاستقلال.
في الختام ومع كل الاحترام والتقدير لخيارات الشعب السوري وإرادته، فإنه إذا لم يتم التوافق على كافة القضايا المحورية والمركزية من أجل مستقبل سوريا، فإن الأطماع الأجنبية ستحضر بقوة وستسعى لاستغلال أي حالة ترهل أو خلاف، من أجل تقسيم سوريا إلى كانتونات متنازعة، وذلك يبدو هدفاً غربياً وأجنبياً تقوده إسرائيل والولايات المتحدة، تخطط من ورائه أن تكون سوريا هي الضحية الثالثة بعد فلسطين ولبنان، في إطار محاربة الدور الإيراني في المنطقة من أجل ترسيم جديد للشرق الأوسط، الأمر الذي يثير مزيداً من الأسئلة حول هوية الدولة القادمة التي تسعى دول الاستعمار لالتهامها؟
الأيام القليلة المقبلة ستكشف النوايا والتوجهات من كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، وإن غداً لناظره قريب.





שתף את דעתך
سقوط النظام السوري لحظة فارقة فهل يهدد شبح الفوضى مستقبل البلاد؟