Mon 20 Mar 2023 10:20 am - Jerusalem Time

بوتين واتهام المحكمة الجنائية الدولية

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان

خرج علينا المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد كريم أسعد أحمد خان البريطاني من أصول باكستانية بخطوة مريبة غريبة، حيث وجه اتهاما للرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسيدة ماريا لوفوفا بيلوفا الأمينة العامة لحقوق الأطفال، بنقل أطفال يتامى أو كرانيين إلى داخل الإتحاد الروسي في خرق واضح للمادتين السابعة والثامنة من ميثاق روما لعام 1998 .
يبدو أن السيد خان أراد أن يعوض عن صمته المريب وعن تردده بل عن انحيازه للسلطة الإسرائيلية، في موضوع الشكوى الفلسطينية للمحكمة الجنائية الدولية حيث جمدها لمدة عامين، بعد أن تركت المدعية العامة السابقة فتيمة بن سودا منصبها الشكوى جاهزة لبدء ممارسة التحقيق القانوني حيث بدأت هي بذاتها بتوجيه التحقيق نحو الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. فاستعاض السيد خان عن ذلك الإجراء الهام والحيوي والضروري، باستبداله بتوجيه الإتهام للرئيس الروسي وللسيدة بيلوفا في موضوع أطفال أوكرانيا وتهجيرهم لروسيا. وتنبع الغرابة من أن كلا من الإتحاد الروسي وأوكرانيا ليستا طرفين لميثاق روما ولم يصادقا عليه، وبالتالي لم يدخل حيز التنفيذ بحقهما ولا اختصاص أصلا للمحكمة لهذا الموضوع ،إلا في حالة واحدة حيث قام السيد خان باستغلالها بشكل فريد.
فعملا بميثاق روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، ينعقد للمحكمة الإختصاص أي الولاية في حالات ثلاث. الحالة ألأولى تكون إذا أحالت دولة طرف لميثاق روما بيانا للمدعي العام يوضح فيها أن جريمة من جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة أو جريمة العدوان قد ارتكبت على أرضها( ف 1 من م 13 من الميثاق) . فإذا علمنا أن كلا من روسيا وأوكرانيا ليسا طرفين لميثاق روما، فيسقط هذا الإحتمال.
الحالة الثانية، عندما يقوم مجلس الأمن باستعمال صلاحياته عملا بالفصل السابع ( فصل الجزاءات الدولية ) فيحيل إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جريمة أو أكثر من اختصاص المحكمة . ناهيك عن أن مجلس الأمن تتمتع فيه روسيا بمقعد دائم يتيح له استعمال حق النقض ( الفيتو ). لذا لا يتخيل أن مجلس الأمن يمكنه استعمال هذه الرخصة، وبالتالي لم يتم الإلتجاء لهذه الطريقة. ومن نافلة القول أنها لم تطبق على الشعب الفلسطيني ولا مرة رغم مئات القرارات الأممية بشان القضية الفلسطينية.
أما الحالة الثالثة، وهي التي اعتمد عليها المدعي العام في قرار الإحالة للمحكمة بالنسبة لبوتين والسيدة بيلوفا، فتتمثل في قدرة المدعي العام من تلقاء نفسه أن يباشر التحقيقات في جرائم تدخل في اختصاص المحكمة بناء على معلومات وصلت إليه شريطة أن تكون معلومات جدية ولها أساس معقول . لكن على المدعي العام قبل اتخاذه خطوة الإحالة إعمالا للشرعية والنزاهة والموضوعية، أن يطلب إذن الدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية قبل المباشرة في التحقيق وإصدار قرار الإحالة.
الغريب أن نوع هذه الإحالة رغم رصانتها وأهميتها وخصوصيتها والذي يشكل سابقة قانونية هامة يجب تشجيعها، اقتداء بقانون الإجراءت الجزائية الداخلي الذي يتيح للمدعي العام ملاحقة المعتدي في الجرائم الخطيرة دونما طلب أو شكوى. وبخاصة أن دولة المعتدي ودولة الضحية ليستا طرفين لميثاق المحكمة، ولن يقدما شكوى أو طلبا للمحكمة الجنائية،فمبادرة المدعي العام للتحرك من تلقاء ذاته ردا على الجرائم الدولية هي محل تقدير واحترام. لكن المدعي العام للمحكمة الجنائية لم يستعمل صلاحياته المشار إليها آنفا بهذا الشأن، وقد استعملها لأول مرة في الموضوع الروسي وتحديدا مع بوتين وبيلوفا. ففي الغزو الأمريكي للعراق وابو غريب وأفغانستان وغوانتنامو، وعلى الأخص في حالة الغزو الإسرائيلي لفلسطين لأكثر من خمسة عقود، ورغم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان وجرائم الإبادة، لم يحرك المدعي العام ساكنا بل تقاعس، ولم يقدم طلبا للدائرة التمهيدية لإجراء تحقيق أو السماح له بإجراء تحقيق، بل حين باشرت المدعية السابقة التحقيق مع الإسرائيليين بعد أخذ إذن الدائرة التمهيدية للمحكمة، قام المدعي العام كريم خان بتجميد الموضوع بحجج وذرائع سخيفة وواهية.
الغريب أن كيل المديح لقرار المدعي العام جاء من دول ليست عضوا في ميثاق روما، بل هي دول عارضت ميثاق روما من بداياته، في حين أنها أقامت بعد الحرب العالمية الثانية بإقرار ميثاق لندن وأتبعته بمحاكم نورمبورغ لمحاكمة المجرمين النازيين، ومحكمة طوكيو لمحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين. أما في حديث الأيام فقد تبنت نهجا جديا سقيما بحيث هددت طاقم المحكمة الجنائية الدولية من قضاة ورجال نيابة بل أوشكت على اعتقالهم وإقفال حساباتهم البنكية. ولعل تصريحات بومبيو وزير الخارجية الأمريكية أيام دونالد ترامب خير دليل على ما نقول. وعقدت مثل أمريكا اتفاقات خلفية مع دول ضعيفة اقتصاديا في إطار الرشوة المالية، حتى لا تسلم رعاياها لولاية المحكمة الجنائيةالدولية، تجنبا لمحاكمتهم. تشجيع المحكمة الجنائية الدولية على القيام بعملها، وكيل المديح لعملها، يتم بالمصادقة على ميثاق روما بدل ملاحقة الدول التي تنضم إليه.
واضح أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والدائرة التمهيدية في المحكمة الجنائية الدولية، قد انزلقا إلى مستنقع الإنتقائية والكيل بمكيالين في محكمة يفترض أن تكون مستقلة محايدة دائمة تعزز التعاون الدولي. محكمة كانت أمل الفلاسفة والحكماء والمصلحين، وضحايا الفظائع التي هزت ضمير الإنسانية، والجرائم الخطيرة التي هزت السلم والأمن الدوليين والتي يجب أن لا تمر بدون عقاب ، وعدم إفلات مجرمي الحرب من عقوباتهم. وإلا فكيف يفهم أن لا يحاكم شخص مثل بوش الإبن وبلير رئيس وزراء بريطانيا والمحافظين الجدد عن جرائمهم؟!
ألم يسمع هذا المدعي العام البريطاني ابن أسعد أحمد خان بقتل القوات الإسرائيلية أطفالا فلسطينيين في عمر الزهور،أليس هناك أساسا معقولا لتحريك شكوى بحقهم، الم تصله أية معلومات من منظمات حقوق الإنسان الدولية، هل طلب من الدائرة التمهيدية قرارا للشروع في تحقيق معهم، ولماذا يماطل في فتح ملف التحقيق ضد إسرائيل؟! وكيف نفهم ذلك التعاطي المشبوه في ملف قائم قطع شوطا بعيدا للتنفيذ.
يبدو أن العدالة الدولية سواء أكانت جنائية أو مدنية أو اقتصادية أو اجتماعية ما هي إلا حلم عصي على التحقق، وما هي إلا إرهاصات تفتقد للقوة خالية من أي إلزام تمارسه الدول القوية في مواجهة الشعوب والدول الضعيفة والمقهورة، تماما كالحبوب المخدرة من هبات تسر الشعب الناظر مؤقتا لكنها تجرده من قوته الحقيقية وتبقيه عاجزا كسولا. لذا علينا أن نعيد النظر في هذه الأدوات الدولية العاجزة وخلق آليات وطنية تغير الأحوال وتبدلها فأعظم حيتان البحر ليس لديها أية قوة في الصحراء!!!

Tags

Share your opinion

بوتين واتهام المحكمة الجنائية الدولية

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.