أمريكا لا تلتزم لا باتفاقيات ولا تفاهمات إلا التي تخدم أهدافها ومصالحها. ففي كل المفاوضات التي سبقت الحروب التي شنتها أمريكا على إيران بالشراكة مع إسرائيل وتواطؤ وتسهيلات من قبل أنظمة رسمية عربية، حزيران/2025، شباط/2026، كانت المفاوضات تقترب من الوصول الى اتفاق ونزع فتيل المواجهة العسكرية، ولكن سرعان ما يتضح بأن أمريكا تمارس سياسة الخداع والتضليل.
فعندما انسحب ترمب من الاتفاق النووي في عام 2018، الذي جرى بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا عام 2015، كان على إيران ان لا تعود الى المفاوضات مجدداً مع هذه الادارات الأمريكية، التي تمارس سياسة البلطجة والسعي لفرض هيمنتها على دول العالم، ومن بعد ذلك استمرت أمريكا في سياسة الخداع والتضليل والتنصل من الاتفاقيات والمفاوضات، تحت ذرائع وحجج مختلفة، حتى جرى في حزيران الماضي الاتفاق على ما يعرف بمذكرة التفاهم الأمريكي- الإيراني والمكونة من 14 بنداً تقرأ كبنود مترابطة.
ولكن تلك المذكرة التي اضطر ترمب للموافقة عليها، حتى يتمكن من إعادة تعبئة الاحتياط الاستراتيجي الأمريكي من النفط وتجديد والتعويض في الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية، والتي كانت تقترب من المرحلة الحرجة، وتوسيع دائرة التحالف ضد إيران، وإنهاء موسم المونديال الرياضي، واعتماد استراتيجية جديدة تقوم على عدم المشاركة الاسرائيلية في الحرب، لبقاء التحالف العربي ضد إيران قائما، على ان يجري استنزاف إيران عسكرياً بضربات عسكرية متواصلة.
من خلال القمة الأمريكية - الخليجية في المنامة، والمفاوضات المباشرة التي وافقت عليها إسرائيل وأمريكا مع لبنان الرسمي، والذي كان يستجدي تلك المفاوضات، ولم تعره لا أمريكا ولا إسرائيل أي اهتمام، كان واضحا بأن أمريكا وإسرائيل تريدان تفريغ تلك المذكرة من مضمونها، بخلق مسارات موازية لمسار سويسرا، فإسرائيل لن توافق على ربط الساحات بين إيران وقوى محور المقاومة، وبالتحديد بين إيران ولبنان، وأن تلك المذكرة لم تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية والعسكرية الاسرائيلية بعين الاعتبار، حسب ما قالته وتقوله إسرائيل، وكذلك أمريكا في لقائها مع حلفائها، كانت تقول لهم بأنها لن تسمح بأن تكون إيران جزءا من ترتيبات أمن الخليج، وأن لا تفرض شروطها على إدارة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يقع ضمن الحدود الداخلية والإقليمية لإيران وعُمان.
ومن هنا وجدنا في إطار السعي للتنصل من هذه المذكرة أنه لم يجر الالتزام بالبنود 1 و5 و 10 من تلك المذكرة، وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاب إسرائيل من أراضيه المحتلة، وعدم تحرير أموال الأصول الإيرانية المحتجزة، وعدم رفع القيود عن تصدير النفط الإيراني، وأعلن ترمب الذي ذهب الى أنقرة من أجل حضور قمة "الناتو" ولقاء الرئيس التركي اردوغان وتقديم اغراءات كبيرة له، بالاضافة الى لقاء رئيس النظام السوري الجديد الشرع، حيث جرى رسم أدوار لهم في إطار المخطط الأمريكي، لتوسيع دائرة الحرب على إيران وحزب الله وبقية قوى المحور، مع العلم ان ترمب قال إنه لا يريد مساعدة "الناتو" في حربه على إيران، فهو عندما احتاجه لم يساعده في هذه الحرب، وكان رد الحلف بأنه لن يخوض حرباً ليست حربه، وفي تلك القمة وجدنا بريطانيا وفرنسا تعلنان، عن ارسال سفن وكاسحات الغام من أجل ازالة الألغام البحرية من مضيق هرمز.
السياسة الأمريكية تقوم على المكر والخداع والتضليل، وأمريكا وإسرائيل وأوروبا لا تريد بأن تكون إيران قوة إقليمية كبرى، وتصبح المتحكمة بمصير المنطقة والإقليم، وبالذات بالملاحة البحرية، وأسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، وترى بأن أي تسوية تحقق لإيران مكاسب في إطار إدارة مضيق هرمز وتوحيد الساحات، يعني هزيمة للمشروع الأمروصهيوني في المنطقة والاقليم وإسقاط لكل اهداف الحرب الكبرى التي من اجلها شنت الحروب على إيران، ولذلك جولات الحرب الاستنزافية التي تشنها أمريكا على إيران بدون شراكة إسرائيل مرحلياً مع توسع دائرة الحلفاء المشاركين في هذه الحرب، يراد منه استنزاف إيران وإضعاف قدراتها العسكرية والتسليحية، تمهيداً للوصول الى اهداف الحرب التي لم تتحقق سابقاً في إسقاط النظام والدولة الإيرانية والقضاء على مشروعها النووي وتفكيك برامجها الصاروخية وتحجيم دورها الاقليمي ودعمها لقوى وحركات التحرر عربية وفلسطينية.
ولذلك إيران في سبيل حماية أمنها القومي والدفاع عن مصادر قوتها وصيانة وحدة أراضيها وسلامة مواطنيها، يجب ان تتحرك بشكل سريع وقبل فوات الأوان، وكما يقول المأثور الشعبي" قبل وقوع الفاس في الراس"، نحو الذهاب الى تغيير عقيدتها النووية وامتلاك سلاح الدمار الشامل والانسحاب من معاهدة عدم انتشار السلاح النووي، وإلا ما ينتظر إيران سيكون كارثيا على إيران وبقية قوى المحور وسينعكس ذلك على روسيا والصين، واللتين إذا لم تبادرا الى تقديم الدعم وعلى كل المستويات لإيران، ستواجهان نفس مصير إيران، فهذه رأسمالية معولمة "متوحشة" متغولة" في سبيل مصالحها مستعدة لفناء البشرية.





Share your opinion
إيران ... تجريب المجرب لن يجر عليكم سوى الكوارث والويلات