تشهد الساحة الأدبية العربية حراكاً لافتاً في فضاء قصيدة النثر، حيث برزت مؤخراً ثلاث مجموعات شعرية لشاعرات من مصر ولبنان وسوريا. تحاول هذه التجارب الحفر في مسارات جمالية خاصة تشتبك مع اللحظة الراهنة برؤى منفتحة وتجارب إنسانية ناضجة تتجاوز الأطر التقليدية.
يعكس هذا الحضور النسوي الكثيف ذهنية متقدة تسعى لتخطي المفاهيم الضيقة للكتابة النسوية المنغلقة على ذاتها، أو تلك التي تكتفي بالتمرد الجندري. وبدلاً من ذلك، تضع هؤلاء الشاعرات القصيدة كأولوية في التحدي، من خلال معالجة البنية والتعبير والسعي لتحطيم أفق التوقع الجاهز لدى القارئ.
في ديوانها الجديد 'حتى تفرّقنا رقعة الشطرنج' الصادر عن دار المتوسط، تمارس الشاعرة المصرية رضا أحمد ألاعيبها الفنية بتلقائية مدهشة. تتنقل الشاعرة بين مقام الفاعلة والمفعول بها، محاولة صناعة الحياة من جديد وسط ركام الميراث الرسمي الذي لم يورث سوى الانكسارات.
تعتمد رضا أحمد في نصها على التشبث بالملموس والجسد، معتبرة إياه الألصق بالحقيقة والمخيلة مقارنة بالروحانيات الغامضة. وتتجلى في قصائدها صراعات معقدة على مستوى العلاقات والمشاعر، حيث ترفض النسخ المكررة وتؤكد على خصوصية تجربتها الإنسانية والجمالية.
أما الشاعرة اللبنانية سناء بزيع، فتقدم في مجموعتها 'تسعة أغصان لجذع أخضر' الصادرة عن دار روافد، حيلًا فنية تفجر الشعر من بذور الصورة والحركة والموسيقى. تبدو القصيدة عندها ابنة لسرديات متشابكة، حيث تحضر الكائنات والأشياء في حالة سيولة طبيعية بعيداً عن القوالب الجامدة.
تبرز اللعبة اللونية كأحد أهم تجليات سناء بزيع الجمالية، حيث تستخدم ضربات الفرشاة والظلال لرسم واقع موازٍ. وفي هذا السياق، تتفاعل الألوان لتخلق مركباً عجائبياً يعيد الضحكة الإنسانية المفقودة إلى مواعيدها المنسية، مما يولد خريطة بديلة للممكن الكارثي.
القصيدة ذاتها هي مجال التحدي الأول، بنية ومعالجة وتعبيراً وتصويراً وحركة وسعياً إلى مفارقة السائد.
من جانبها، تغوص الشاعرة السورية هند زيتوني في 'دم القصيدة' عبر ديوانها 'مسكونة بأشباح ماياكوفسكي' الصادر عن دار نينوى. تفتح زيتوني نوافذ نصها لملاقاة الأشباح، معتبرة الكتابة صدمة لا تقل فداحة عن صدمات الحياة المتتالية منذ الميلاد وحتى الموت.
لا تكترث زيتوني في مجموعتها الجديدة بوعود الزمن الأجمل القادم، بل تكتفي بتشريح رغباتها الخصبة والقفز في حقول اللغة. إنها تضع جثتها الرمزية على سرير النص، وتتقاسم الكلمات مع كائنات مجهولة في محاولة لاستنطاق المسكوت عنه في التجربة البشرية.
يتماس نص هند زيتوني بشكل مباشر مع أشباح الشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي، الذي انتهت حياته منتحراً بعد إخفاقات عاطفية وثورية. تدير الشاعرة لعبتها عبر الأزمنة، وكأنها تتنفس خيبات الكون كله، موقدة نار الأسى المقدسة في أخشاب الحروف الهرمة.
تتفق هذه المجموعات الثلاث على أن الحياة الاعتيادية خارج حيل الشعر ومشاغباته ليست سوى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار. ومن هنا تبرز أهمية 'الشعرية المكتفية بذاتها' التي تسعى لتفكيك الحاضر القاسي والسخرية منه، وربما الرقص على أنقاضه بحيل فنية متنوعة.
إن هذا الجيل من الشاعرات يثبت قدرته على تعرية الذات الإنسانية ومساءلتها بصرامة وجرأة، بعيداً عن الصرخات المباشرة. القصيدة هنا هي المختبر الذي يعيد صياغة الواقع المأزوم، ويحول العثرات إلى ألاعيب فنية قادرة على مواجهة القبح بجماليات مغايرة.
في الختام، تمثل هذه الإصدارات إضافة نوعية للمكتبة العربية، حيث تبرز قدرة المرأة الشاعرة على قيادة المشهد الإبداعي برؤى فلسفية وجمالية. إنها دعوة للقفز إلى مناطق برزخية، حيث تغزل النجوم أثواباً للحكايا غير المألوفة وتدرب القلوب على مواجهة العبث بالشعر.





Share your opinion
ثلاث شاعرات عربيات يرسمن ملامح جديدة لقصيدة النثر بمجموعات شعرية 'مشاكسة'