يشهد العالم صعوداً لافتاً لجيل زد في المناصب القيادية والدوائر السياسية، حيث لم يعد تأثيرهم مقتصرًا على الفضاء الرقمي فحسب. هذا الجيل الذي يضم المواليد بين عامي 1997 و2012، بدأ في صياغة هوية فكرية مغايرة تماماً لما اعتادت عليه الأجيال السابقة التي كانت تتمحور حول الأيديولوجيات الصارمة.
تُعرف الأيديولوجيا تقليدياً بأنها نسق من المعتقدات التي توجه مسارات الأفراد وتعمل كعدسة يفسرون من خلالها الأحداث العالمية. وبينما كانت الجامعات في الماضي ساحات للمناظرات بين القوميين والاشتراكيين والليبراليين، يبدو أن جيل زد يفضل تجاوز هذه المسميات نحو رؤية أكثر شمولية ومرونة.
يرى خبراء أن هذا الجيل الرقمي يعيد تعريف الانتماء الفكري بما يتوافق مع طبيعته التي تتعامل مع الواقع عبر الشاشات أولاً. فبدلاً من التمسك بمرجعيات ثابتة، يبحث هؤلاء الشباب عن مفاهيم العدالة بمعناها الواسع، بعيداً عن التحالفات الحزبية أو الاقتصادية ذات المسميات التقليدية.
في لقاءات مع شباب يعملون في مؤسسات دولية، تبرز فكرة البحث عن الهم الإنساني والاجتماعي العادل كبديل للأيديولوجيا الجافة. هؤلاء الشباب قد يتبنون موقفاً سياسياً معيناً في قضية محددة مثل محاربة الفقر، دون أن يعني ذلك انخراطهم الكامل في تيار سياسي بعينه.
يوضح الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع أن التعميم في وصف هذا الجيل قد يكون مضللاً، لكن السمة الغالبة هي رفض القولبة. ويشير رشاد إلى أن الاطلاع الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي جعلهم أكثر تقبلاً للنقاش وقدرة على إدارة الأزمات بوعي منفتح.
ينفي المتخصصون تهمة الاغتراب أو الانفصال عن الواقع التي تُوجه أحياناً للشباب، مؤكدين أنهم يشاركون بطرقهم المبتكرة. فالمشاركة قد تبدأ من العالم الافتراضي، لكنها سرعان ما تتحول إلى مسارات واقعية تخدم اهتماماتهم السياسية والاجتماعية والترفيهية.
المفارقة تظهر بوضوح في أقسام العلوم السياسية بالجامعات، حيث يميل الطلاب إلى تبني أفكار منفصلة بدلاً من التشبث بنظريات مقولبة. ورغم اطلاعهم الأكاديمي الواسع على التيارات الفكرية، إلا أنهم يفضلون عدم اتخاذها عناوين عريضة لشخصياتهم أو مساراتهم المهنية.
جيل زد لا يفتقر للوعي، بل هو أكثر انفتاحاً على الثقافة العامة ويعرف كيف يدير الأزمات بعيداً عن القوالب الجامدة.
في دراسة شملت طلاباً يدرسون نظريات السياسة في مصر، تبين أن الغالبية تفضل تحقيق المكاسب السياسية بطرق مرنة تضمن مستقبلاً أفضل للمجتمعات المظلومة. وقد استشهد الطلاب بالأوضاع في فلسطين وسوريا كنماذج للتعاطف الإنساني مع المدنيين بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي الحاد.
يشير الطلاب إلى أن التمسك بالرؤى الجاهزة أثبت فشله في كثير من الأحيان، خاصة عند تجاهل الفوارق الديموغرافية والجوهرية بين الأنظمة. هذا التوجه لا يعكس خوفاً من ممارسة السياسة، بل هو قناعة بضرورة تغيير الوسائل لتتلاءم مع معطيات الساحة الدولية المتغيرة.
على الرغم من هذا التوجه العام، لا تزال هناك جيوب صغيرة تتمسك بالأيديولوجيات التقليدية، بما في ذلك التيارات ذات الطابع الديني. ومع ذلك، فإن هؤلاء غالباً ما يطرحون أفكارهم على استحياء، ويفضلون التلميح بدلاً من الإفصاح الصريح عن انتماءاتهم في الأوساط الجامعية.
من جانبها، تؤكد الدكتورة حنان أبو سكين، أستاذة العلوم السياسية، أنه لا يمكن وضع جيل زد في كتلة صماء واحدة نظراً لتفاوت مستويات التعليم والبيئة. ومع ذلك، تشترك هذه الشرائح في الارتباط الوثيق بالتكنولوجيا والقدرة العالية على التعلم الذاتي بعيداً عن المصادر التقليدية.
يتسم أبناء هذا الجيل برفض السلطة الوالدية والميل الشديد نحو الاستقلالية، وهو ما ينعكس على سجلهم الفكري الرافض للتنميط. فهم يرون في المنظمات الأيديولوجية قيوداً لا ترحب بها عقلياتهم التي تسعى دائماً للتميز والاختلاف والشعور بالتقدير الشخصي.
ختاماً، يظهر الحراك العالمي تجاه قضايا مثل الحرب على غزة أن جيل زد يمتلك مبادئ راسخة في المواطنة والانتماء. هذه المواقف الحاسمة تنبع من منطلق إنساني وأخلاقي، مما يثبت أن غياب الأيديولوجيا التقليدية لا يعني أبداً غياب الموقف أو السلبية تجاه الشأن العام.





Share your opinion
خارج القوالب التقليدية.. كيف يعيد جيل زد صياغة مفاهيم السياسة والأيديولوجيا؟