تعرضت أسواق المال العالمية لهزة عنيفة في قطاع التكنولوجيا، حيث فقدت مجموعة 'العظماء السبعة' بالإضافة إلى شركتي 'برودكوم' و'أوراكل' نحو 2.7 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال شهر يونيو الجاري. وتأتي هذه الخسائر في ظل عملية إعادة تقييم واسعة النطاق يجريها المستثمرون للشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من تضخم التقييمات السعرية.
وعلى الرغم من هذا التراجع الحاد، يرى خبراء ماليون أن الضعف الأخير في أسهم التكنولوجيا لا يعد إنذاراً بانهيار وشيك، بل هو أقرب إلى إعادة توزيع للمراكز المالية وإعادة موازنة الأخطار. وأفادت مصادر بأن التوقعات القوية لشركة 'مايكرون تكنولوجيز' ساهمت في إعادة إشعال الثقة جزئياً، مما دعم موجة صعود السوق من أدنى مستوياتها المسجلة مؤخراً.
وقفزت أسهم شركة 'مايكرون'، التي تعد أكبر مصنع أمريكي لشرائح ذاكرة الحاسوب، بنسبة 10% بعد أن تجاوزت نتائج مبيعاتها تقديرات المحللين. ويعزى هذا الارتفاع إلى النقص الحاد في المكونات المدفوع بالطلب المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما دفع الأسعار والنتائج المالية للشركة نحو مستويات قياسية.
وفي سياق متصل، استقر مؤشر 'ستاندرد آند بورز 500' دون تغييرات جوهرية في نهاية الجلسة الأخيرة، رغم التقلبات الكبيرة التي شهدها قطاع التكنولوجيا. وقد لوحظ ارتفاع في غالبية أسهم المؤشر، مما يشير إلى أن الضغوط البيعية كانت مركزة في قطاعات محددة ولم تشمل كامل السوق الأمريكية.
وعلى صعيد الطاقة، تراجعت مكاسب النفط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية مع إحراز تقدم ملموس في محادثات السلام الإقليمية، حيث استقر خام برنت دون مستوى 74 دولاراً للبرميل. وأسهم هذا الهبوط في تهدئة المخاوف المتعلقة بالتضخم، خاصة مع ترقب الأسواق لصدور تقرير مهم من الاحتياطي الفيدرالي حول نفقات الاستهلاك الشخصي.
ويشعر المستثمرون بحالة من القلق بشأن استدامة موجة صعود الذكاء الاصطناعي، رغم استمرار تدفق السيولة من عمالقة التكنولوجيا نحو مراكز البيانات. وقد أدى هذا السباق المحموم لزيادة القدرات الحوسبية إلى جعل شركات المعدات والمكونات هي الأفضل أداءً خلال العام الحالي، دون وجود مؤشرات واضحة على تباطؤ هذا الإنفاق.
ويرى محللون في شركة 'نيشن وايد' أن التصحيح الحالي يعد فرصة للمستثمرين الذين لا يملكون تعرضاً كافياً لقطاع التكنولوجيا، مؤكدين أن الأساسيات لا تزال قوية. ويفضل الكثير من مديري الصناديق شراء الأسهم في أيام التراجع، معتبرين أن الانخفاضات الحالية هي جزء طبيعي من دورة السوق بعد ارتفاعات سريعة ومفرطة.
مسار الصعود لن يكون خطياً، إذ سيتعين على السوق تجاوز عقبات عدة رغم قوة الأساسيات.
وفي توقعات متفائلة بصورة استثنائية، أشار استراتيجيون في 'جيه بي مورغان' إلى أن الأسهم الأمريكية تقترب مما يسمى سيناريو 'السماء الزرقاء'. ورفع البنك هدفه لنهاية العام لمؤشر 'ستاندرد آند بورز 500' إلى 7,800 نقطة، مستنداً إلى قوة الأرباح واحتمالات التوصل لاتفاقات سلام تنهي النزاعات الإقليمية.
وأوضح الخبراء أن تراجع التوترات الجيوسياسية قلل من الرهانات على رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل، وهو ما انعكس إيجاباً على عوائد السندات. ومع ذلك، لا يزال الإجماع داخل البنك المركزي الأمريكي يميل نحو الحاجة لمراقبة التضخم بدقة، حيث يتوقع المحللون تسارعاً طفيفاً في مؤشر أسعار الاستهلاك الشخصي لشهر مايو.
ويأتي رفع التوقعات المستقبلية للمؤشرات القياسية بعد جلستين من التراجع الحاد، وصفه بعض المحللين في وول ستريت بأنه 'انهيار للرقائق'. لكن 'جيه بي مورغان' يرى أن هذه التراجعات هي عقبات طبيعية في مسار صعود غير خطي، مؤكداً أن نمو أرباح الشركات قد يصل إلى 20% في المتوسط خلال العامين المقبلين.
وأشارت التقارير إلى أن خطط الإنفاق على الذكاء الاصطناعي تضاعفت تقريباً، وهو ما يبرر التعديلات التصاعدية لتقديرات الأرباح لعامي 2026 و2027. وتعتبر هذه التعديلات نادرة الحدوث في الظروف العادية، وعادة ما تتبع الصدمات الاقتصادية الكبرى أو مراحل ما بعد الركود، مما يعكس حجم التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر، يبرز تحدٍ جديد يتمثل في تراجع التدفق النقدي الحر لدى عمالقة الحوسبة السحابية نتيجة التكاليف الباهظة لبناء البنية التحتية. ويشكل هذا النقد عادة 'وسادة أمان' لعمليات إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح، إلا أن الشركات مضطرة الآن لإنفاقه كـ 'رسوم دخول' للبقاء في سباق التكنولوجيا.
ووصف خبراء في 'نومورا' شركات الحوسبة السحابية الكبرى بأنها 'البائعون الممولون' خلف صفقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الذاكرة والشبكات والطاقة. وهذا يعني أن الشركات التي تنفق مبالغ ضخمة هي نفسها التي تمثل مصدر الإيرادات الرئيسي للأسهم التي يراهن عليها المستثمرون في الوقت الحالي.
ويبقى السؤال المطروح في الأوساط المالية حول قدرة الشركات الكبرى على الاستمرار في تمويل هذا السباق دون الإضرار برواية التدفقات النقدية المستقرة. فأكبر شركات الذكاء الاصطناعي لم تعد تُقيم فقط بناءً على إيراداتها المستقبلية، بل أيضاً على أساس التكلفة المتزايدة للوصول إلى تلك التكنولوجيا والسيطرة عليها.





Share your opinion
خسائر تريليونية تضرب أسهم الذكاء الاصطناعي وسط إعادة تقييم شاملة للأسواق العالمية