سلطت تقارير صحفية دولية الضوء على التحولات الكبيرة في الميزانية الدفاعية للجزائر، مشيرة إلى أن الإنفاق العسكري للبلاد تضاعف نحو ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ووفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن هذه الميزانية باتت تستحوذ على قرابة نصف إجمالي الإنفاق العسكري في القارة الأفريقية بأكملها.
وأوضح التقرير السنوي للمعهد، الصادر تحت عنوان 'اتجاهات الإنفاق العسكري العالمي عام 2025' أن الجزائر احتلت المرتبة الثانية عالمياً من حيث العبء العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وتأتي هذه المرتبة مباشرة بعد أوكرانيا التي تشهد حرباً مستمرة، وقبل إسرائيل التي حلت في المرتبة الثالثة بنسبة 7.8%.
وبلغت الأرقام المسجلة للإنفاق العسكري الجزائري في عام 2025 نحو 25.4 مليار دولار، وهو ارتفاع شاهق مقارنة بميزانية عام 2022 التي لم تتجاوز 9.1 مليار دولار. هذا التطور يعكس زيادة بنسبة 76% في عام 2023 وحده، تلتها قفزات متتالية في عامي 2024 و2025 لتصل إلى المستويات الحالية.
وتشير المصادر إلى أن هذه الديناميكية المتسارعة في التسلح تزامنت مع ترسيخ الرئيس عبد المجيد تبون لسلطته بعد انتخابه في عام 2019 وإعادة انتخابه في سبتمبر 2024. وقد شكل الإنفاق العسكري نحو 25% من إجمالي النفقات العامة للدولة، وهي ثاني أعلى نسبة مسجلة في العالم بعد الدولة الأوكرانية.
وعلى الصعيد القاري، تظهر البيانات أن ميزانية الدفاع الجزائرية تمثل تقريباً نصف الإنفاق العسكري لجميع الدول الأفريقية مجتمعة، والذي قدر بنحو 58.2 مليار دولار. ويمثل هذا النمو السنوي في الإنفاق الجزائري السنة الثالثة على التوالي من الارتفاع المطرد، ما يثير تساؤلات الخبراء الدوليين حول الأهداف الاستراتيجية.
ويعزو مراقبون هذه الزيادة إلى عدة عوامل، أبرزها التوتر المستمر مع الجار المغربي والسياسة الخارجية الأكثر حزماً التي تتبعها الإدارة الحالية. كما يلعب تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل الإفريقي، وتحديداً في مالي والنيجر، دوراً محورياً في دفع الجزائر لتعزيز قدراتها الدفاعية لحماية حدودها الطويلة.
ويرى خبراء أن هناك أبعاداً داخلية لهذه الميزانيات الضخمة، حيث يسعى الرئيس تبون لتعزيز علاقة الرئاسة بالمؤسسة العسكرية كركيزة أساسية للاستقرار السياسي. ويأتي ذلك في ظل سياق تاريخي لم تشهد فيه البلاد مثل هذه القفزات المالية منذ فترة ما بعد حرب أكتوبر 1973 والتوترات التي أعقبتها في السبعينيات.
الجزائر تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث الإنفاق العسكري مباشرة بعد أوكرانيا، رغم أنها ليست في حالة حرب مفتوحة.
وفي المقابل، يظهر التقرير أن المغرب، المنافس الإقليمي الأبرز، ينفق مبالغ أقل بكثير رغم اتباعه مساراً تصاعدياً في ميزانيته الدفاعية. فقد وصل الإنفاق المغربي إلى 6.3 مليار دولار في عام 2025، ما يعني أن الجزائر تنفق حالياً ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية الدفاع المغربية.
ويظل النزاع حول الصحراء الغربية المحرك الأساسي لسباق التسلح في المنطقة، حيث أكد معهد ستوكهولم أن هذا الملف يفسر الجزء الأكبر من الزيادات المالية لدى الطرفين. وتستمر حالة التوجس المتبادل في دفع العاصمتين نحو تخصيص موارد مالية ضخمة لتحديث الترسانات العسكرية والأنظمة الدفاعية.
وبالنسبة للعام القادم 2026، تشير التوقعات الأولية إلى تخصيص الجزائر ميزانية قدرها 24.6 مليار دولار للجيش، مع احتمالية مراجعتها صعوداً خلال العام. ويعكس هذا الرقم التزام الدولة بالاستمرار في نهج التعزيز العسكري رغم التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة.
ويثير هذا الإنفاق جدلاً حول الأولويات التنموية، حيث تتجاوز ميزانية الدفاع بكثير مخصصات قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. ففي الوقت الذي يخصص فيه للجيش أكثر من 25 مليار دولار، تبلغ ميزانية الصحة نحو 6.8 مليار دولار والتعليم 13.7 مليار دولار لخدمة 46 مليون مواطن.
وتؤكد المصادر أن هذه الأرقام تضع ضغوطاً كبيرة على المالية العامة للدولة، خاصة وأنها تمثل عبئاً ثقيلاً مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، تصر السلطات الجزائرية على أن تأمين الحدود الشاسعة ومواجهة التهديدات الإرهابية في الساحل يتطلب هذا المستوى من الجاهزية المالية والعسكرية.
ختاماً، يظهر التقرير الدولي أن منطقة شمال أفريقيا باتت من أكثر المناطق إنفاقاً على السلاح في العالم قياساً إلى حجم اقتصاداتها. وتبقى التحولات الجيوسياسية في المنطقة هي المتحكم الأول في بوصلة الإنفاق، وسط غياب أي أفق قريب لخفض التصعيد أو التوصل لتفاهمات إقليمية تحد من هذا السباق.





Share your opinion
تقرير دولي: الجزائر تسجل ثاني أعلى ميزانية عسكرية عالمياً لدولة ليست في حالة حرب