لم تكن قسوة الحرب في غزة تقتصر على لحظة الموت فحسب، بل امتدت لتشمل معاناة ما بعد الاستشهاد، حيث وجدت عائلات فلسطينية نفسها مضطرة لابتكار وسائل قاسية لحفظ جثامين ذويها. في منطقة دوار حيدر عبد الشافي، عاشت عائلة الزعانين مأساة استشهاد الأم سائدة قنصاً أمام أطفالها التسعة، لتبدأ بعدها رحلة مؤلمة استمرت ستة أيام مع جثمانها المحتجز داخل المنزل.
بدأت الحكاية في الثامن عشر من مارس 2024، حين توغلت آليات الاحتلال بشكل مفاجئ نحو مجمع الشفاء الطبي، مما أدى لحصار نحو 40 فرداً داخل شقة واحدة. وفي لحظة غادرة، استهدفت رصاصات القناصة سائدة أثناء محاولتها تعليق الملابس على الشرفة، لتسقط مضرجة بدماءها أمام عجز عائلتها عن تقديم أي مساعدة طبية فورية.
حاول زوج الشهيدة سحبها باستخدام حبل خشية استهدافه من طائرات 'الكواد كابتر' التي كانت تغطي سماء المنطقة وتستهدف كل ما يتحرك. ورغم نجاحه في إدخالها إلى صالة المنزل، إلا أن إصابتها البالغة في الصدر والقلب أدت لارتقائها بعد نصف ساعة، وسط صرخات أطفالها الذين لم يستوعبوا رحيلها المفاجئ.
أمام إطباق الحصار ومنع سيارات الإسعاف من الوصول، واجهت العائلة معضلة دفن الجثمان الذي بدأ يثير مخاوف من التحلل. وبعد مشاورات مرتبكة، قرروا إفراغ ثلاجة كبيرة مخصصة للمثلجات ووضع الجثمان داخلها، معتمدين على الطاقة الشمسية لتشغيلها، في محاولة يائسة للحفاظ على كرامة الشهيدة وتجنيب الأطفال مشاهد التحلل.
قضى الأطفال ستة أيام كاملة بجوار الثلاجة التي تضم جسد والدتهم، حيث كانوا يطرقون بابها وينادونها في مشهد يفوق طاقة الاحتمال البشري. وتروي الابنة الكبرى حنين كيف كان أشقاؤها الصغار يقفون لساعات طويلة أمام الثلاجة، بينما كان الرضيع أحمد يبكي جوعاً بعد فقدان صدر أمه الذي كان يرضعه قبل دقائق من استشهادها.
لم تكن الهواجس تفارق الجدة أم علي، التي كانت تفتح باب الثلاجة خلسة لتتأكد من مفارقة سائدة للحياة، بينما كانت أصوات الانفجارات في الخارج لا تتوقف. ومع إعلان انسحاب قوات الاحتلال في منتصف الليل، تحول الحزن المؤجل إلى بكاء مرير، حيث أخرج الزوج الجثمان المتجمد لوداعه الأخير قبل نقله إلى مقبرة الفالوجة.
في المنزل المجاور، لم تكن عائلة الممرض محمود الهندي بمنأى عن هذا الوجع، فقد استشهد محمود برصاص طائرة مسيرة بعد يوم واحد من استشهاد جارته سائدة. محمود الذي كان قد قدم التعزية لجيرانه وأكد لهم خبر وفاة ابنتهم، وجد نفسه ضحية جديدة للقنص الإسرائيلي داخل غرفته وبين أفراد أسرته.
هل يمكن لشخص أن يتخيل أن تموت أمه وتبقى أمامه في ثلاجة في نفس الغرفة 6 أيام؟ كان إخوتي يقفون أمامها وينادونها ويطرقون باب الثلاجة.
حاولت ابنة الممرض، أميرة، إنقاذ والدها عبر اتباع تعليماته الطبية وهو ينزف، حيث كان يلقنها كيفية فتح مجرى التنفس والضغط على الجروح. ورغم تواصلها مع الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إلا أن الرد كان دائماً بصعوبة التنسيق في منطقة عمليات عسكرية، لينتهي الأمر بارتقائه مع ساعات الفجر الأولى.
واجهت عائلة الهندي تحدي حفظ الجثمان في ظل انقطاع الكهرباء والمياه وتفجر الخزانات، مما دفعهم للجوء إلى نصيحة تقضي بلف الجثمان بالنايلون وتسليط مروحة عليه. كانت هذه المحاولة تهدف لمنع انتشار الروائح الكريهة، إلا أن نقص الخبرة والظروف الجوية أدت لبدء تحلل الجسد وخروج الدود من الجروح المفتوحة.
اضطرت أميرة وشقيقها لنقل جثمان والدهما إلى المطبخ وإغلاق كافة المنافذ بإحكام لمنع تسرب الرائحة أو دخول الحيوانات، وحماية والدتهما من رؤية هذا المشهد الصادم. بقي الجثمان في هذه الحالة لثلاثة أيام، حيث كانت العائلة تعيش في عزلة تامة عن العالم الخارجي، محاطة بالموت من كل جانب.
تصف مصادر محلية هذه الحالات بأنها تعكس انهيار المنظومة الإنسانية والطبية في غزة تحت وطأة الاستهداف المباشر، حيث يتحول المنزل من ملاذ آمن إلى مقبرة مؤقتة. إن اضطرار الأهالي للتعامل مع جثامين أحبائهم بهذه الطرق البدائية يمثل وصمة عار في وجه القوانين الدولية التي تضمن حرمة الموتى.
بعد انسحاب آليات الاحتلال، اكتشف الجيران حجم المأساة التي عاشتها عائلة الهندي، حيث تم تشييع الممرض في جنازة مهيبة غاب عنها الوداع الأخير لأبنائه. فقد رفض الأعمام أن يرى الأبناء والدهم في حالته تلك، مفضلين أن تبقى صورته الجميلة والمعهودة هي الراسخة في أذهانهم.
تجسد هذه القصص واقعاً مريراً يعيشه آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث يختلط الجوع بالخوف بالفقد، وتصبح أبسط الحقوق الإنسانية مثل الدفن مطلباً مستحيلاً. إن استخدام الثلاجات والمراوح لم يكن خياراً، بل كان صرخة صامتة في وجه حصار لا يرحم الأحياء ولا يحترم الأموات.
يبقى أطفال الشهيدة سائدة والشهيد محمود يحملون ندوباً نفسية لن تندمل، فذكريات الحصار المرتبطة برائحة الموت وبرودة الثلاجات ستظل تلاحقهم. وتستمر هذه الشهادات في توثيق مرحلة هي الأصعب في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث تُكتب الحكايات بدموع المحاصرين ودماء الشهداء.





Share your opinion
ثلاجات الطعام والمراوح.. وسائل قسرية لحفظ جثامين الشهداء تحت حصار غزة