كشفت مصادر إعلامية عبرية، مساء الأحد، عن مداولات تجري داخل أروقة المؤسسة الأمنية والمستوى السياسي في دولة الاحتلال، تتعلق بإمكانية تنفيذ انسحابات وصفت بـ'المحدودة' من بعض النقاط التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة التي تهدف إلى صياغة تفاهمات حدودية وأمنية بين بيروت وتل أبيب.
وأفادت المصادر بأن المشاورات المكثفة التي عُقدت خلال الساعات الأخيرة ركزت على تقييم الوضع الميداني في المناطق الواقعة خارج نطاق الـ 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. وتشير التقارير إلى أن هذه الانسحابات المقترحة قد تشمل مواقع استراتيجية تم الوصول إليها خلال العمليات البرية الأخيرة، وذلك لتعزيز الموقف التفاوضي الإسرائيلي قبيل الجولات القادمة.
وتبرز منطقة 'قلعة الشقيف' كواحدة من أبرز النقاط المرشحة لهذا الانسحاب الجزئي، وهي المنطقة التي أعلن جيش الاحتلال السيطرة عليها في مطلع شهر حزيران الجاري. وتكتسب القلعة أهمية رمزية وعسكرية نظراً لموقعها المشرف، رغم تأكيدات سابقة من أطراف لبنانية بأن السيطرة عليها لم تتطلب مواجهة عسكرية مباشرة لكونها كانت خالية من المظاهر المسلحة.
في المقابل، شدد مسؤولون في تل أبيب على أن أي تحرك ميداني لن يمس بما يسمى 'الخط الأصفر'، الذي تعتبره القيادة العسكرية الإسرائيلية خطاً أحمر لا يمكن التنازل عن التواجد فيه. ويرى الاحتلال أن الحفاظ على هذا الخط يمثل ضرورة قصوى لتأمين المستوطنات الشمالية ومنع أي تسلل أو هجمات مستقبلية تستهدف العمق الإسرائيلي.
وعلى الصعيد السياسي، ادعت المصادر العبرية أن حكومة الاحتلال لم تتلقَ أي طلبات رسمية أو ضغوط من الإدارة الأمريكية لإخلاء مواقعها في الجنوب اللبناني. وأوضحت أن التوجه نحو إعادة الانتشار يهدف إلى إظهار 'حسن نية' ومبادرة ذاتية تجاه الحكومة اللبنانية، بعيداً عن تصوير الأمر كاستجابة لإملاءات خارجية أو ضغوط دولية.
أي تعديل في انتشار القوات سيُقدَّم باعتباره مبادرة إسرائيلية في إطار الحوار مع الحكومة اللبنانية، وليس نتيجة ضغوط خارجية.
وتعتبر الدوائر السياسية في تل أبيب أن استمرار السيطرة على بعض النقاط المتقدمة يمثل ورقة ضغط قوية في المفاوضات الجارية، حيث يتم مقايضة الانسحاب منها بمكاسب أمنية وترتيبات حدودية طويلة الأمد. ويهدف هذا التكتيك إلى ضمان تحقيق أقصى قدر من الشروط الإسرائيلية في الاتفاق النهائي الذي يجري العمل عليه في العواصم الدولية.
وتتزامن هذه التسريبات مع إعلان وزارة الخارجية الأمريكية عن انطلاق جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، والمقرر عقدها في الفترة ما بين 23 و25 حزيران الجاري. وتعد هذه الجولة الخامسة من نوعها منذ انطلاق المسار التفاوضي في نيسان الماضي، وسط آمال دولية بالتوصل إلى اتفاق ينهي حالة التصعيد.
وكان جيش الاحتلال قد روج لسيطرته على قلعة الشقيف كإنجاز عسكري كبير، في حين وصف حزب الله تلك التحركات بأنها مجرد عمليات تصويرية تهدف للبروباغندا الإعلامية. وأكد الحزب في بيانات سابقة أن القوات الإسرائيلية تسللت إلى مواقع غير مأهولة عسكرياً للادعاء بتحقيق تقدم ميداني، وهو ما يلقي بظلاله على حقيقة الدوافع وراء الانسحاب المقترح حالياً.
وتشهد المنطقة الحدودية حالة من الترقب لما ستسفر عنه جولة واشنطن المقبلة، خاصة مع تزايد الدعوات داخل إسرائيل لتحويل أجزاء من جنوب لبنان إلى منطقة عازلة. وتصطدم هذه الرغبات الإسرائيلية برفض لبناني قاطع لأي انتقاص من السيادة الوطنية أو فرض واقع جغرافي جديد يتجاوز الخط الأزرق المعترف به دولياً.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى جدية الاحتلال في تنفيذ هذه الانسحابات 'الصغيرة'، وما إذا كانت ستمهد الطريق لاتفاق شامل أم أنها مجرد إعادة تموضع تكتيكي. فالميدان لا يزال يشهد توترات متقطعة، بينما تسابق الدبلوماسية الزمن لتثبيت ركائز استقرار تمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع وأكثر شمولاً في المنطقة.





Share your opinion
الاحتلال يدرس انسحابات محدودة من جنوب لبنان قبيل جولة مفاوضات واشنطن