Sat 20 Jun 2026 8:58 am - Jerusalem Time

حوكمة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الفلسطينية: من الإطار العام إلى التطبيق المؤسسي

قبل أن تتبنى المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، لا بد أن تسأل سؤالًا جوهريًا: هل نحن جاهزون إداريًا وقانونيًا وأخلاقيًا لهذا التحول، أم أننا نتعامل معه كأداة تقنية عابرة؟

في سياق السلطة الوطنية الفلسطينية، تعمل المؤسسات ضمن بيئة معقدة تضم القطاع العام، البلديات، الجامعات، الغرف التجارية، مؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص. ولكل مؤسسة طبيعة مختلفة من البيانات والمسؤوليات والمخاطر. لذلك فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُترك لاجتهادات فردية أو تجارب غير منظمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر ببيانات المواطنين، المستفيدين، الطلبة، المرضى، المشاريع، أو الشكاوى العامة.

السؤال المركزي هنا هو: هل تبدأ الحوكمة من العام إلى الخاص أم من الخاص إلى العام؟

الاتجاه الأول يرى أن تبدأ الحوكمة من العام إلى الخاص، أي من إطار وطني أو مؤسسي عام يضع المبادئ والخطوط الحمراء، ثم يتم تفصيله حسب طبيعة كل قطاع. هذا الاتجاه مهم لأنه يمنع الفوضى، ويوفر مرجعية موحدة للمؤسسات، ويحدد قواعد أساسية مثل حماية الخصوصية، منع إدخال البيانات الحساسة في أدوات غير آمنة، إلزامية المراجعة البشرية، الشفافية في الاستخدام، وتحديد المسؤولية عند الخطأ.

لكن الاكتفاء بالحوكمة العامة قد ينتج وثائق نظرية لا تلامس الواقع اليومي للمؤسسات. فاحتياجات البلدية تختلف عن الجامعة، والمؤسسة الحقوقية تختلف عن الشركة التجارية، والمؤسسة الحكومية تختلف عن المشروع الصغير. لذلك لا يكفي أن تكون هناك سياسة عامة فقط دون ترجمتها إلى إجراءات عملية داخل كل مؤسسة.

أما الاتجاه الثاني فيرى أن تبدأ الحوكمة من الخاص إلى العام، أي من واقع المؤسسات نفسها: ما الأدوات التي يستخدمها الموظفون؟ ما نوع البيانات المتوفرة؟ ما المهام التي يمكن تحسينها؟ أين توجد المخاطر؟ وما الاستخدامات التي يجب منعها أو تقييدها؟ هذا الاتجاه عملي لأنه ينطلق من الحاجة الفعلية، لكنه يصبح خطيرًا إذا تُرك دون إطار عام، لأنه قد يؤدي إلى تفاوت كبير بين المؤسسات في حماية البيانات وضبط الاستخدام.

لذلك فإن النموذج الأنسب للحالة الفلسطينية هو الحوكمة الهجينة: إطار عام من الأعلى، وتطبيقات خاصة من الأسفل. بمعنى أن تضع الجهات المرجعية مبادئ عامة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ثم تقوم كل مؤسسة ببناء سياسة داخلية تناسب طبيعة عملها وبياناتها وجمهورها ومخاطرها.

قبل التبني الواسع، تحتاج المؤسسة إلى خمس خطوات أساسية: جرد البيانات، تحديد حالات الاستخدام، تصنيف المخاطر، تدريب الموظفين على المسؤولية وليس الأداة فقط، ووضع آلية مراجعة بشرية للمخرجات. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التلخيص، التحليل، خدمة الجمهور، إعداد المحتوى، وتحسين الكفاءة، لكنه لا يجب أن يتحول إلى صاحب قرار نهائي في القضايا الحساسة.

الخطر الأكبر ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في استخدامه غير المعلن. عندما لا تضع المؤسسة سياسة واضحة، سيستخدمه الموظفون بشكل فردي، وقد يتم إدخال بيانات حساسة أو اعتماد مخرجات غير دقيقة دون مراجعة. وهنا تصبح المؤسسة أمام مخاطر قانونية وأخلاقية وإدارية.

الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية للمؤسسات الفلسطينية، لكنه يحتاج إلى حوكمة قبل التوسع. والاتجاه الأفضل ليس من العام وحده ولا من الخاص وحده، بل من العام إلى الخاص ثم من الخاص إلى العام عبر التقييم والتحديث. هكذا يمكن بناء استخدام مسؤول يحمي البيانات، يعزز الثقة، يحسن الأداء، ويجعل الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان والمؤسسة لا مصدرًا جديدًا للفوضى.

* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

Tags

Share your opinion

حوكمة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الفلسطينية: من الإطار العام إلى التطبيق المؤسسي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.