يبرز التباين الكبير عند المقارنة بين تجربة استضافة قطر لمونديال 2022 والنسخة الحالية التي تقام في أمريكا الشمالية لعام 2026. فبينما قدمت الدوحة نموذجاً تنظيمياً مكثفاً في مساحة جغرافية متقاربة، تتوزع المنافسات الحالية بين ثلاث دول كبرى هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مما يفرض تحديات لوجستية وأمنية مختلفة تماماً.
وعلى الرغم من التحفظات التقليدية تجاه المبالغة في الاهتمام بكرة القدم على حساب قضايا التنمية، إلا أن تجربة 2022 فرضت واقعاً جديداً من حيث جودة التنظيم. فقد شهدت تلك النسخة حالة من السكينة والأمان غابت فيها حوادث العنف المعتادة من مشجعي الملاعب، مما سمح للزوار بالتنقل بحرية وطمأنينة تامة.
لقد كانت الاستعدادات القطرية التي استمرت لسنوات طويلة تهدف لتمكين الدولة من تقديم نسخة استثنائية، وهو ما تحقق بشهادة المؤسسات الدولية. وقد انعكس ذلك في الأجواء الاحتفالية التي عمت الشوارع والساحات العامة، حيث تحولت المدن إلى مساحات ترفيهية مفتوحة على مدار الساعة دون تسجيل خروقات أمنية تذكر.
في المقابل، تثار حالياً مخاوف جدية بشأن النسخة الحالية في أمريكا الشمالية، خاصة مع تقارير تتحدث عن نشاط عصابات المخدرات. وتشير مصادر إلى أن كارتيلات التهريب في المكسيك وكولومبيا قد تستغل الزخم الجماهيري لترويج كميات ضخمة من المواد المخدرة، مما يضع الأجهزة الأمنية في اختبار حقيقي.
وتواجه كندا أيضاً تحديات مماثلة، حيث تشير التوقعات إلى احتمالية تورط شبكات إجرامية محلية في عمليات توزيع واسعة النطاق خلال البطولة. هذا الواقع يضع ضغوطاً إضافية على المنظمين لضمان سلامة الجماهير القادمة من مختلف أنحاء العالم، بعيداً عن تهديدات الجريمة المنظمة.
المفارقة تكمن في ازدواجية المعايير الإعلامية الغربية التي هاجمت قطر سابقاً بسبب قوانينها المحلية المتعلقة بالقيم والتقاليد. ففي الوقت الذي يتم فيه التغاضي عن إجراءات أمنية أمريكية مشددة تصل لحد التفتيش المهين، كانت الانتقادات تنهال على الدوحة لأسباب تتعلق بالهوية الثقافية.
اقتصادياً، كشفت الأرقام عن نجاح ساحق لمونديال قطر الذي حقق إيرادات بلغت 7.5 مليارات دولار، بزيادة مليار دولار عن نسخة 2018. كما سجلت البطولة حضوراً جماهيرياً تاريخياً تجاوز 3.4 ملايين مشجع في الملاعب، وأكثر من 5 مليارات مشاهد خلف الشاشات.
إنفانتينو أكد أن مونديال قطر حقق نجاحاً باهراً باحتلاله المرتبة الثالثة تاريخياً من حيث الحضور الجماهيري بإجمالي تجاوز 3.4 ملايين مشجع.
ملعب لوسيل المونديالي كان شاهداً على أحد أعلى أرقام الحضور في تاريخ كأس العالم خلال مباراة الأرجنتين والمكسيك. وقد عزز هذا النجاح الجماهيري من مكانة النسخة القطرية كواحدة من أنجح البطولات من حيث التفاعل المباشر والقدرة الاستيعابية للمنشآت الرياضية الحديثة.
أما فيما يخص تكلفة المشاهدة، فقد شهدت أسعار التذاكر في المونديال الأمريكي قفزة جنونية مقارنة بالنسخة القطرية. فبينما كان الحد الأدنى لتذكرة الافتتاح في قطر 55 دولاراً، بدأ السعر في النسخة الحالية من 560 دولاراً، وهو ما يمثل عبئاً مالياً كبيراً على عشاق اللعبة.
هذه الزيادة التي تجاوزت 390% في أسعار الفئات الأولى تعكس رغبة الجهات المنظمة في تعظيم الأرباح التجارية على حساب الجماهير البسيطة. بل إن بعض التذاكر الخاصة بالمباريات النهائية وصلت لأرقام فلكية، مما يثير تساؤلات حول تحول المونديال إلى مناسبة حصرية للأثرياء فقط.
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، لعب دوراً محورياً في هذا التحول، خاصة مع تقاربه الواضح مع الإدارة الأمريكية. وقد تجلى ذلك في منح ترامب جائزة خاصة للسلام من الفيفا، في خطوة اعتبرها مراقبون سياسية بامتياز تهدف لتسهيل المصالح التجارية المشتركة.
وبالنظر إلى ردود الفعل الجماهيرية على المنصات التفاعلية العالمية، يظهر حنين واضح للأجواء التي وفرتها قطر في 2022. حيث يقارن المشجعون بين سهولة التنقل وانخفاض التكاليف في الدوحة، وبين التعقيدات الحالية والارتفاع الحاد في أسعار الخدمات والتذاكر.
إن الفوارق بين النسختين لا تقتصر على الجوانب المالية فحسب، بل تمتد لتشمل الفلسفة التنظيمية والروح العامة للبطولة. فبينما ركزت قطر على تقديم تجربة ثقافية آمنة ومجمعة، تشتت النسخة الحالية الجماهير بين مسافات شاسعة وتكاليف باهظة ترهق كاهل المشجعين.
في الختام، يبقى مونديال قطر 2022 نقطة مرجعية هامة في تاريخ البطولة، حيث أثبتت دولة عربية قدرتها على التفوق في التنظيم والأمن. ومع استمرار منافسات 2026، تظل المقارنات قائمة لتكشف عن مدى قدرة الدول الكبرى على مضاهاة المعايير العالية التي وضعتها الدوحة.





Share your opinion
بين قطر 2022 وأمريكا 2026.. فوارق التنظيم وتحديات التكلفة والأمن