تشهد تونس خلال الآونة الأخيرة تصاعداً في الإجراءات الرسمية الرامية للحد من ظاهرة انتشار الكلاب السائبة، حيث أعلنت بلدية ولاية الكاف الواقعة غربي البلاد عن إطلاق حملة أمنية وبلدية واسعة النطاق. وتهدف هذه التحركات الميدانية إلى تقليص المخاطر الناجمة عن داء الكلب وحماية المواطنين من حوادث العقر المتكررة التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في الفترة الماضية.
وأوضحت السلطات المحلية أن الحملة في ولاية الكاف ستستمر طوال شهر يونيو الجاري، مع التركيز على المناطق التابعة للأمن الوطني بالجهة. وتتم عمليات القنص في ساعات متأخرة من الليل، وتحديداً بين منتصف الليل والثالثة صباحاً، لتجنب إثارة الذعر بين السكان وضمان فاعلية الإجراءات المتخذة في الشوارع الخالية.
في المقابل، يرى نشطاء في المجتمع المدني وخبراء في حماية الحيوان أن هذه السياسة المتبعة منذ عقود لم تحقق النتائج المرجوة في القضاء على الظاهرة. وأكدت مصادر حقوقية أن الاعتماد على الرصاص كحل وحيد يغفل الجوانب العلمية والإنسانية التي أثبتت نجاعتها في تجارب دولية أخرى، مشددة على ضرورة مراجعة هذه الاستراتيجية.
أمينة الطريقي، عضو جمعية حماية الحيوانات، أشارت إلى أن مخاوف المواطنين من الكلاب الضالة مشروعة تماماً، خاصة في ظل التهديدات الصحية. ومع ذلك، اعتبرت أن الحل الجذري يتطلب تعاوناً وثيقاً بين وزارة الفلاحة وعمادة الأطباء البيطريين والمنظمات غير الحكومية لتنفيذ برامج تعقيم وتلقيح واسعة النطاق.
ولفتت الطريقي إلى أن تونس شهدت سابقاً تجارب واعدة لإنشاء مراكز تعقيم وإيواء بدعم من بعض البلديات، إلا أن هذه المشاريع واجهت انتكاسة كبرى. فمنذ حل المجالس البلدية في عام 2023، توقفت معظم هذه المبادرات بسبب غياب التمويل اللازم وغياب الغطاء الإداري لمواصلة العمل، مما أعاد الأزمة إلى المربع الأول.
من جهتها، دعت الناشطة هدى بوشهدة إلى استغلال الموارد المتاحة بشكل أفضل، مثل تحويل المباني المهجورة في المدن التونسية إلى مراكز إيواء مؤقتة. وأوضحت أن العديد من المتطوعين يبذلون جهوداً فردية ويتحملون تكاليف باهظة لرعاية هذه الحيوانات، مؤكدة أن نشر ثقافة العنف عبر القنص يؤثر سلباً على النسيج الاجتماعي.
وشددت بوشهدة على ضرورة سن تشريعات قانونية واضحة تنظم التعامل مع الحيوانات السائبة وتضمن حمايتها وفي الوقت ذاته تحمي الصحة العامة. واعتبرت أن استمرار القنص لسنوات طويلة دون تراجع أعداد الكلاب في الشوارع هو دليل قاطع على فشل هذا النهج التقليدي في إدارة الأزمة.
القنص لا يمثل حلاً مستداماً، والبدائل تتمثل في التلقيح والتعقيم وإنشاء مراكز ومآوٍ للحيوانات السائبة كما هو معمول به دولياً.
وعلى الصعيد الطبي، أكد الطبيب البيطري عماد شورة أن مراكز الإيواء هي الركيزة الأساسية لأي حل مستدام، مشيراً إلى أن دور الطبيب البيطري يكتمل بتوفر البنية التحتية. وأوضح أن التعقيم يساهم بشكل فعال في الحد من التكاثر العشوائي، لكنه يجب أن يترافق مع حملات تلقيح دورية ومكثفة لضمان عدم انتقال الأمراض.
وحذر شورة من خطورة داء الكلب الذي يظل مرضاً فتاكاً ينتقل للإنسان عبر العض أو الخدش من حيوانات مصابة. وأشار إلى أن المسؤولية في إنشاء هذه المراكز تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة والبلديات، حيث لا يمكن للجهود الفردية أو العيادات الخاصة استيعاب الأعداد المتزايدة من الحيوانات السائبة.
وفي سياق الأرقام الرسمية، كشف وهيب المهري، المدير العام للمصالح البيطرية بوزارة الفلاحة، عن إنجازات هامة في ملف التلقيح الوطني. حيث أفادت مصادر رسمية بأن عدد عمليات التلقيح ضد داء الكلب تجاوز 545 ألف عملية حتى مطلع شهر يونيو 2026، وهو رقم يعكس حجم الجهد المبذول في الجانب الوقائي.
ورغم هذه الأرقام، لا تزال السلطات التونسية تواجه ضغوطاً للإعلان عن إحصائيات دقيقة وشاملة حول حالات العقر المسجلة خلال العامين الأخيرين. ويطالب مراقبون بضرورة توفير بيانات شفافة حول عدد الأشخاص الذين تلقوا العلاج الوقائي بعد التعرض لهجمات الكلاب لتقييم مدى خطورة الوضع الوبائي في مختلف الولايات.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن ظاهرة الكلاب السائبة لم تعد تقتصر على الأحياء الشعبية أو الأطراف، بل امتدت لتشمل مراكز المدن الكبرى والمناطق السياحية. هذا التوسع زاد من الضغط على البلديات لاتخاذ إجراءات سريعة، مما جعل القنص الخيار الأسهل والأسرع تنفيذاً رغم معارضة الجمعيات البيئية.
ويرى خبراء في علم الاجتماع أن مشاهد القنص في الشوارع تترك آثاراً نفسية سيئة على الأطفال والساكنة، مما يستدعي البحث عن وسائل أكثر تحضراً. ويقترح هؤلاء الخبراء إطلاق حملات توعية وطنية حول كيفية التعامل مع الحيوانات الضالة وتشجيع التبني المسؤول لتقليل الأعداد الموجودة في الفضاءات العامة.
يبقى الجدل قائماً في تونس بين ضرورة حماية الأمن الصحي للمواطنين وبين الالتزام بالمعايير الإنسانية في التعامل مع الحيوانات. ومع استمرار حملة ولاية الكاف، تترقب الأوساط الحقوقية استجابة حكومية لمطالب إنشاء استراتيجية وطنية شاملة تنهي حقبة القنص وتستبدلها بمنظومة إيواء وتعقيم متكاملة.





Share your opinion
أزمة الكلاب السائبة في تونس: حملات قنص رسمية تواجه انتقادات حقوقية ومطالب ببدائل علمية