توقفت الدكتورة ليراز مرغليت، الباحثة الإسرائيلية المتخصصة في السلوك الإنساني، عند الحالة النفسية المعقدة التي يمر بها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو. وأشارت في تحليل نشرته صحيفة 'معاريف' إلى أن خطاباته الأخيرة تعكس حجم الضغوط الناتجة عن قضايا الفساد الملاحق بها، وفشله في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
وركزت مرغليت على جملة مفصلية وردت في مؤتمر صحفي عقده نتنياهو بشأن الملف الإيراني، حيث قال للجمهور: 'لو لم نتحرك، لكنتم جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي'. واعتبرت الباحثة أن هذه العبارة ليست مجرد بلاغة سياسية، بل هي كشف صريح عن موقف نفسي ينفصل فيه القائد عن شعبه.
وأوضحت القراءة التحليلية أن استخدام نتنياهو لصيغة 'كنتم' بدلاً من 'كنا' يعكس زلة لسان لا واعية تضعه في مرتبة 'الراعي' والجمهور في مرتبة 'القطيع'. فهو لا يرى نفسه جزءاً من الخطر الذي يهدد الإسرائيليين، بل يصور نفسه كقوة خارجية منقذة تقف فوق الجميع وتحميهم من الفناء.
وترى مرغليت أن هذا النمط يندرج تحت 'علم نفس القيادة النرجسية'، حيث يتم الفصل التام بين ذات القائد والجمهور الذي يحتاج للإنقاذ. فبدلاً من الحديث عن إنجازات استراتيجية ملموسة، يلجأ نتنياهو إلى لغة كارثية تنقل الجمهور مباشرة إلى سيناريوهات الإبادة لتعزيز شرعيته المتآكلة.
ويأتي هذا الخطاب المتطرف في وقت يشعر فيه نتنياهو بأن الأسطورة التي بناها لنفسه كحارس لإسرائيل بدأت تتهاوى أمام الواقع. فالتحديات لم تعد تقتصر على التهديد الإيراني، بل تمتد لتشمل الانقسام الداخلي الحاد ومحاكمته الجارية وتبعات أحداث السابع من أكتوبر التي هزت صورته القيادية.
وأشارت الباحثة إلى أن الإنسان عندما يشعر بفقدان السيطرة على قصته الشخصية، يميل إلى فرضها بالقوة بدلاً من الإقناع. وهذا ما يفسر ارتفاع حدة لغة نتنياهو واتسامها بالتطرف، حيث يحاول احتواء التهديدات الوجودية التي تواجه مستقبله السياسي عبر تضخيم المخاطر الخارجية.
إن القلق الكامن خلف عبارات 'الموت الجماعي' يعكس خوفاً عميقاً من أن يسجل التاريخ إرث نتنياهو كقائد للانقسام والإخفاق وليس كمنقذ. فهو يدرك أن الفجوة بين تصريحاته والنتائج الفعلية على الأرض أصبحت واضحة للعيان، مما يدفعه لتغيير قواعد اللعبة العاطفية مع الجمهور.
لو لم نتحرك، لكنتم جميعا معرضين لخطر الموت الجماعي.
وتعتقد مرغليت أن نتنياهو يحاول اليوم مخاطبة التاريخ أكثر من مخاطبة الجمهور الحالي، سعياً لتحديد الكيفية التي سيُذكر بها مستقبلاً. هو يريد من الإسرائيليين أن ينسوا ملفات الفساد والفشل الأمني في غزة، ويركزوا فقط على فكرة أنه الشخص الذي حال دون وقوع كارثة وجودية.
وتضيف الباحثة أن الشخص الواثق من إنجازاته لا يحتاج لاستخدام لغة الترهيب الوجودي، بل يكتفي بعرض النتائج وشرح الأهداف بوضوح. أما اللجوء إلى 'سيناريو الإبادة' فهو محاولة لفرض شعور بالامتنان القسري على الجمهور، وتصوير أي انتقاد سياسي على أنه نوع من الجحود.
إن الحالة النفسية لنتنياهو تكشف عن صراع داخلي بين صورته كـ 'قائد تاريخي' وبين واقع مليء بالندوب السياسية والقانونية. هذا الصراع يدفعه لتبني خطاب 'المنقذ الوحيد' الذي يرى ما لا يراه الآخرون، في محاولة يائسة لترميم شرعيته التي تضررت بشكل غير مسبوق.
وتؤكد القراءة أن نتنياهو يعيش حالة من القلق من ألا يغفر له التاريخ الإخفاقات المتراكمة والوعود التي لم تتحقق. لذا، فإن استحضار 'خطر الموت' يهدف إلى جعل المساءلة حول تكلفة الحرب أو الأهداف السياسية تبدو ثانوية وغير ذات قيمة أمام 'معجزة النجاة' التي يدعي تحقيقها.
وفي نهاية تحليلها، حذرت مرغليت من خطورة هذا النهج الذي يحاول فيه القائد إدارة 'الذاكرة الجماعية' للشعب بدلاً من إدارة الأزمات الفعلية. فنتنياهو يسعى لفرض رواية أحادية تختزل كل تعقيدات المشهد الإسرائيلي في جملة واحدة: 'أنا أنقذتكم'، متجاهلاً كل ما دون ذلك من إخفاقات.
ويظهر التحليل أن نتنياهو بات يرى في بقائه السياسي قضية وجودية تتجاوز حدود الدولة، مما يجعل خطابه أكثر حدة وانفصالاً عن الواقع. هذا الانفصال يتجلى في كل كلمة يختارها بعناية أو تخرج منه كزلة لسان، لتؤكد أنه بات يرى نفسه فوق النقد وفوق المساءلة.
ختاماً، فإن 'لغة القلق' التي رصدتها الباحثة في مقال 'معاريف' تشير إلى مرحلة جديدة من الصراع على الإرث داخل إسرائيل. حيث يتحول الخطاب السياسي من نقاش حول السياسات والنتائج إلى معركة نفسية تهدف إلى تطويع وعي الجمهور وضمان مكانة في كتب التاريخ بعيداً عن تهم الفشل والفساد.





Share your opinion
تحليل إسرائيلي يكشف دلالات 'قلق' نتنياهو: زلة لسان تضعه فوق الجمهور ومنقذاً من 'الموت الجماعي'