قبيل انطلاق صافرة البداية للمنتخب الجزائري في نهائيات كأس العالم 2026 ومواجهته المرتقبة ضد المنتخب الأرجنتيني، تصاعدت وتيرة التحركات السياسية والإعلامية لليمين المتطرف في فرنسا. وتهدف هذه التحركات إلى الضغط على السلطات لتقييد تحركات أنصار 'محاربي الصحراء' والجاليات المغاربية، تحت مزاعم التخوف من اندلاع أعمال شغب وإخلال بالنظام العام في المدن الفرنسية.
وفي خطوة تعكس حالة التربص الدائم، سارع نواب من حزب التجمع الوطني اليميني في الجمعية الوطنية الفرنسية إلى إطلاق تحذيرات من الاحتفالات الجماهيرية المرافقة لمباريات الجزائر والمغرب. وتأتي هذه الخطوات لتعيد إلى الأذهان حملات سابقة استهدفت الوجود الجزائري في فرنسا كلما حقق المنتخب الوطني نتائج إيجابية في المحافل الدولية الكبرى.
وقد قاد هذه التحركات النائب جوليان أودول، الذي يعد من أبرز وجوه اليمين المتطرف، عبر توجيه سؤال كتابي إلى وزير الداخلية الفرنسي. وحمل السؤال عنوان 'العنف الحضري وعدم الاستعداد قبل كأس العالم 2026'، حيث حاول الربط بين أحداث شغب سابقة وبين التجمعات المتوقعة لمشجعي المنتخبات العربية.
واستند أودول في مذكرته إلى وقائع شهدتها بعض المدن الفرنسية عقب تتويج نادي باريس سان جيرمان بلقب أوروبي، والتي أسفرت حينها عن توقيفات وإصابات. إلا أن اللافت كان إقحام اسمي الجزائر والمغرب بشكل مباشر، والادعاء بأن نتائج هذه المنتخبات كانت تاريخياً سبباً في اضطرابات أمنية واسعة في الشوارع الفرنسية.
وأشار النائب اليميني بوضوح إلى المباراة الافتتاحية للجزائر ضد الأرجنتين، معتبراً أن أي نتيجة يحققها 'الخضر' قد تدفع بالآلاف إلى الشوارع، وهو ما يراه خطراً أمنياً. كما استذكر وصول المغرب إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، زاعماً أن تلك الفترة شهدت أعمال عنف تستوجب اتخاذ تدابير استثنائية هذه المرة.
وطالب أودول الحكومة الفرنسية بالكشف الفوري عن خطتها الأمنية للتعامل مع مباريات المنتخبات المغاربية، مشدداً على أن ما سيحدث 'متوقع مسبقاً'. ويرى مراقبون أن هذا الخطاب يتجاوز الهواجس الأمنية ليصل إلى محاولة سياسية لربط الجاليات المهاجرة بظواهر العنف والتخريب بشكل نمطي.
من جانبهم، اعتبر ناشطون وحقوقيون أن هذه التحركات تهدف إلى شيطنة الجالية، خاصة وأن السلطات الفرنسية أقرت سابقاً بأن أعمال التخريب غالباً ما ترتكبها مجموعات فوضوية لا علاقة لها بجمهور كرة القدم. وأكدوا أن استغلال المناسبات الرياضية لتصفية حسابات سياسية بات نهجاً ثابتاً لدى اليمين المتطرف الفرنسي.
كرة القدم تنتصر على الكراهية.
ولا يعد هذا الاستهداف من قبل جوليان أودول للمنتخب الجزائري جديداً، إذ سبق له التحريض ضد احتفالات الجماهير خلال كأس أمم إفريقيا 2019 بمصر. وفي ذلك الوقت، تمنى أودول علانية خسارة الجزائر أمام نيجيريا في نصف النهائي لوقف مظاهر الفرح في باريس، وهو ما أثار موجة استنكار واسعة.
وكان الرد حينها قد جاء من قلب الميدان عبر قائد المنتخب الجزائري رياض محرز، الذي سجل هدف التأهل التاريخي في تلك المباراة. ونشر محرز رسالة ساخرة وجهها للنائب اليميني قائلاً: 'هذه المخالفة مهداة لك يا جوليان أودول، نحن معاً'، مؤكداً أن الرياضة يجب أن تنتصر على خطابات الكراهية.
ولم تكن مارين لوبان، زعيمة اليمين المتطرف، بعيدة عن هذا المشهد، حيث دعت في مناسبات سابقة إلى منع الجماهير الجزائرية من الوصول إلى جادة الشانزليزيه. واعتبرت لوبان أن الاحتفالات الجزائرية ليست مجرد تعبير رياضي، بل وصفتها بأنها 'استعراض قوة' يمس بالسيادة الفرنسية حسب تعبيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن حزب التجمع الوطني يحمل إرثاً عدائياً تجاه الجزائر يعود إلى الحقبة الاستعمارية، حيث كان مؤسسه جون ماري لوبان جندياً في الجيش الفرنسي إبان حرب التحرير. وتلاحق الحزب اتهامات مستمرة بالدفاع عن سرديات المستعمرين ومعارضة أي اعتراف بالجرائم التاريخية المرتكبة بحق الجزائريين.
ويرى محللون أن تصعيد الخطاب ضد الجزائريين في هذا التوقيت يرتبط بقرب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع العام المقبل. حيث يعمد اليمين المتطرف إلى استخدام ورقة المهاجرين والأمن لجذب الناخبين، وإلقاء لوم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية على الأجانب والجاليات.
كما يأتي هذا التحريض في وقت تشهد فيه العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وباريس بوادر انفراج بعد فترات طويلة من الجفاء والتوتر. ويبدو أن هذا المسار نحو بناء الثقة ومعالجة ملفات الذاكرة لا يروق لتيارات اليمين التي تبني شعبيتها على استمرار حالة الصدام الثقافي والسياسي.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تترقب الجالية الجزائرية في فرنسا مباراة منتخبها بشغف كبير، وسط آمال بأن تمر الاحتفالات بسلام بعيداً عن الاستفزازات السياسية. وتبقى الأنظار معلقة على كيفية تعامل وزارة الداخلية الفرنسية مع هذه الضغوط البرلمانية المتزايدة من قبل معسكر اليمين.





Share your opinion
تحركات لليمين المتطرف الفرنسي لتقييد مشجعي 'الخضر' قبيل مواجهة الأرجنتين