تأتي التعديلات الأخيرة على نظام الانتخابات العامة الفلسطينية انطلاقاً من رؤية الرئيس محمود عباس “أبو مازن” بأن إجراء الانتخابات لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل أو ترفاً سياسياً يمكن تعطيله بفعل الخلافات والانقسامات، بل ضرورة وطنية لإعادة تجديد الشرعيات وبناء مؤسسات قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. فالرؤية التي تقود هذا التوجه تقوم على أن استمرار الجمود السياسي يفاقم حالة التآكل الداخلي، بينما تشكل الانتخابات مدخلاً لإعادة إشراك المجتمع الفلسطيني في صناعة القرار وتجديد الحياة الديمقراطية، حتى في ظل وجود أطراف ما زالت تتحفظ أو ترفض الذهاب إلى هذا المسار.
وفي هذا السياق، تبدو التعديلات الجديدة محاولة لإعادة صياغة شكل التمثيل السياسي الفلسطيني بصورة أكثر شمولاً واتساعاً، عبر فتح المجال أمام مشاركة أوسع للقوى السياسية والمستقلين والشباب والمرأة، ضمن رؤية تسعى إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة لا الإقصاء.
فزيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو تعكس توجها نحو توسيع قاعدة التمثيل السياسي، وإتاحة مساحة أكبر لحضور الفئات الاجتماعية والقوى السياسية المختلفة داخل المؤسسة التشريعية، بما يخفف من حدة الاحتكار السياسي ويفتح المجال أمام تمثيل أكثر تنوعاً.
أما خفض نسبة الحسم إلى 1%، فهو من أكثر البنود دلالة على محاولة (إعادة هندسة المشهد السياسي الفلسطيني) بصورة أكثر انفتاحاً، إذ يمنح القوائم الصغيرة والمبادرات الشبابية والمستقلين فرصة حقيقية للوصول إلى المجلس التشريعي، ويحد من "ضياع" الأصوات الانتخابية، بما يعزز فكرة "التعددية السياسية" و "الشراكة الوطنية".
ورغم ما قد يثيره هذا التوجه من مخاوف تتعلق بتشظي الكتل البرلمانية أو صعوبة تشكيل اصطفافات مستقرة داخل المجلس، إلا أن فلسفة القرار تبدو قائمة على توسيع المشاركة بدل الإقصاء، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع لمكونات المجتمع الفلسطيني.
كما أن رفع الحد الأدنى لعدد المرشحين في كل قائمة انتخابية يعكس توجهًا نحو تعزيز الجدية التنظيمية للقوائم، ودفعها نحو تمثيل أوسع جغرافياً ومجتمعياً، بحيث تصبح الانتخابات مشروعاً سياسياً جماعياً (لا) مجرد حضور رمزي أو فردي.
وفي السياق ذاته، فإن تعزيز تمثيل المرأة من خلال اشتراط وجود امرأة بين كل ثلاثة مرشحين يمثل خطوة مهمة نحو تكريس الشراكة السياسية الحقيقية، وإعادة الاعتبار لدور المرأة الفلسطينية في الحياة الوطنية وصنع القرار.
أما خفض سن الترشح إلى 23 عاماً، فيحمل أبعاداً سياسية ورمزية مهمة، باعتباره محاولة لإدماج جيل الشباب في بنية القرار الوطني، ومنح الطاقات الجديدة فرصة للمشاركة في المؤسسات المنتخبة، في ظل مطالب متزايدة بضرورة تجديد النخب السياسية.
ومن زاوية أعمق، تبدو هذه التعديلات انعكاساً لمحاولة إعادة بناء فكرة الشراكة الوطنية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الانقسام والتوتر السياسي، إذ تقوم فلسفتها على توسيع المشاركة السياسية وحماية حق الأحزاب والفصائل والمستقلين في التمثيل، بدل تكريس الإقصاء أو احتكار المشهد العام.
إن المرحلة الراهنة لم تعد تحتمل المزيد من السجالات السياسية العقيمة أو تبادل الاتهامات، بقدر ما تحتاج إلى خطاب وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية على أساس حماية الإنسان الفلسطيني، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء نظام سياسي قادر على استيعاب الجميع ضمن إطار الشراكة والمسؤولية الجماعية.
وعليه، فإن نجاح هذه التعديلات لن يرتبط بالنصوص القانونية وحدها، بل بمدى قدرتها على إنتاج حياة سياسية حقيقية تقوم على التعددية، واحترام الإرادة الشعبية، وتجديد المؤسسات، وتحويل المشاركة السياسية إلى مدخل فعلي لإعادة بناء "المشروع الوطني الفلسطيني" في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية.
===========================
ومن زاوية أعمق، تبدو هذه التعديلات انعكاساً لمحاولة إعادة بناء فكرة الشراكة الوطنية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من الانقسام والتوتر السياسي، إذ تقوم فلسفتها على توسيع المشاركة السياسية وحماية حق الأحزاب والفصائل والمستقلين في التمثيل، بدل تكريس الإقصاء أو احتكار المشهد العام.





Share your opinion
"هندسة التمثيل": قراءة تحليلية في تعديلات النظام الانتخابي الفلسطيني