سجلت الأسواق المالية حدثاً تاريخياً مع قفزة نوعية في أسهم شركة 'سبايس إكس' ببورصة نيويورك، ما دفع بثروة رئيسها التنفيذي إيلون ماسك لتجاوز عتبة التريليون دولار لأول مرة في التاريخ البشري. وقد شهدت الجلسة الأولى للاكتتاب العام صعوداً مدوياً للسهم بنسبة بلغت 31% فوق سعر الطرح الأولي، ليغلق عند مستويات قياسية تعكس ثقة المستثمرين في رؤية ماسك المستقبلية رغم التحديات المالية السابقة.
وأكد ماسك من مقر شركته في تكساس طموحاته التي لا سقف لها، مشيراً إلى أن الهدف القادم هو نقل البشر إلى القمر والمريخ وما وراءهما. وأعرب عن ثقته الكاملة في الفريق التقني لشركة سبايس إكس لتحقيق هذه القفزة النوعية في تاريخ الاستكشاف الفضائي، وهو ما دفع آلاف المستثمرين الأفراد للتسابق على شراء الأسهم فور طرحها في الأسواق.
الاكتتاب الذي وُصف بالأضخم في التاريخ، استهدف جمع نحو 75 مليار دولار، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق الذي كانت تحتفظ به شركة أرامكو السعودية منذ عام 2019. وقد خصصت الشركة حصة كبيرة من أسهمها للمستثمرين الأفراد الذين أبدوا استعداداً لضخ مبالغ طائلة، مدفوعين بالإيمان بقدرة ماسك على دمج تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي في تكتل اقتصادي واحد.
وعلى الرغم من هذا النجاح المالي الباهر، إلا أن التقارير تشير إلى أن مجموعة شركات ماسك واجهت تباطؤاً في النمو خلال العام الماضي، حيث سجلت خسائر بلغت نحو 5 مليارات دولار في عام 2025. وتعود هذه الخسائر بشكل رئيسي إلى الاستثمارات الضخمة وغير المسبوقة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية الفضائية التي لم تحقق عوائد فورية بعد.
في المقابل، لم يمر هذا الصعود دون معارضة سياسية وقانونية، حيث دعت السناتورة الأمريكية إليزابيث وارن هيئة الأوراق المالية والبورصات إلى تعليق الاكتتاب بشكل مؤقت. وطالبت وارن بضرورة إجراء تحقيقات دقيقة للتأكد من شفافية الإجراءات وحماية المستثمرين من أي شبهات احتيال قد تشوب هذه العملية المالية الضخمة والمستويات السعرية المرتفعة.
من جانبها، انتقدت منظمات حقوقية دولية، ومنها منظمة أوكسفام، تركز هذه الثروة الهائلة في يد شخص واحد، معتبرة أن وصول ثروة فرد إلى ألف مليار دولار يمثل خللاً بنيوياً في الاقتصاد العالمي. وأكدت المنظمة أن هذا التفاوت الصارخ لا يهدد فقط مبادئ الاقتصاد العادل، بل يمتد أثره ليقوض أسس الديمقراطية السليمة في المجتمعات الحديثة.
وبالتزامن مع هذا التتويج المالي، واجه ماسك موجة غضب عارمة بسبب مواقفه السياسية، وتحديداً فيما يتعلق بأعمال الشغب المعادية للمهاجرين التي اندلعت في مدينة بلفاست بعاصمة أيرلندا الشمالية. واتهم باحثون ماسك باستخدام منصته 'إكس' للترويج لروايات عنيفة حصدت ملايين المشاهدات، مما ساهم في تأجيج التوترات العرقية والدعوات للاحتجاج العنيف في الشوارع.
لن يحدث أي تغيير إلا من خلال الاحتجاج المتكرر والصاخب.
وأفادت مصادر ميدانية بأن المواجهات في بلفاست أسفرت عن حرق مساكن وسيارات ومحال تجارية مملوكة لمهاجرين، من بينها متجر لمواطن سوري تعرض للحرق للمرة الثانية. وقد ترافقت هذه الأعمال مع كتابات معادية للإسلام على الجدران، وسط اتهامات لشخصيات يمينية متطرفة بالتنسيق مع ماسك لتضخيم دعوات التظاهر والتحريض عبر الفضاء الرقمي.
وكشف تقرير لمركز مكافحة الكراهية الرقمية أن منشورات ماسك حول اضطرابات بلفاست كانت المحرك الأساسي لانتشار الخطاب التحريضي، حيث حصدت وحده أكثر من 64 مليون مشاهدة. وأوضح التقرير أن ماسك استغل مأساة بلفاست لتمرير أجندات مناهضة للهجرة، مما أدى إلى انفجار في التعليقات التي تدعو علانية إلى ممارسة العنف ضد الأجانب والمهاجرين.
ويرى مراقبون أن سلطة ماسك على منصة 'إكس' تمنحه قدرة غير مسبوقة على تشكيل الرأي العام العالمي وتوجيهه نحو مسارات مثيرة للجدل. ومع امتلاكه لأكبر عدد من المتابعين على المنصة، أصبح قادراً على صياغة المحتوى الذي يراه ملايين المستخدمين، وهو ما يضعه في دائرة المسؤولية المباشرة عن السلوكيات التي تروج لها خوارزميات المنصة.
وكانت منصة 'إكس' قد أعادت تفعيل حسابات لشخصيات متهمة بترويج خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وذلك عقب استحواذ ماسك عليها في عام 2022. هذا التوجه أثار قلقاً دولياً واسعاً، خاصة بعد رصد آلاف التعليقات التي تطالب بتنفيذ إعدامات ميدانية وجرائم كراهية في الردود على منشورات ماسك وحلفائه من اليمين المتطرف.
وفي سياق متصل، ندد محتجون أمام مقر بورصة ناسداك باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي التابعة لماسك في إنتاج محتويات غير أخلاقية تستهدف النساء والأطفال. ورغم تعهدات المنصة بمنع هذه المحتويات تحت الضغوط الدولية، إلا أن خبراء تقنيين أكدوا استمرار إمكانية إنتاجها ونشرها، مما يعزز الانتقادات الموجهة لسياسات الإشراف على المحتوى.
وعلى الصعيد الاقتصادي البحت، يرى محللون أن القيمة السوقية لشركات ماسك لا تستند فقط إلى الأرقام الحالية، بل إلى وعود بأسواق مستقبلية لم تولد بعد. فالمستثمرون يراهنون على مشاريع مثل استيطان المريخ ومراكز البيانات الفضائية، وهي طموحات تجعل من سبايس إكس شركة فريدة من نوعها لا تقارن بأي منافس آخر في قطاع التكنولوجيا.
ختاماً، يبقى صعود إيلون ماسك إلى قمة الهرم المالي العالمي حدثاً مثيراً للانقسام، فبينما يراه البعض عبقرياً يقود البشرية نحو آفاق جديدة، يراه آخرون خطراً على الاستقرار الاجتماعي. وبين الثروة التريليونية والاتهامات بالتحريض العنصري، يظل ماسك الشخصية الأكثر تأثيراً وجدلاً في المشهد العالمي الراهن، متجاوزاً حدود المال إلى صياغة السياسة والأمن الدوليين.





Share your opinion
إيلون ماسك يدخل التاريخ كأول تريليونير وسط عاصفة من الانتقادات والاضطرابات