أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن الأوساط العسكرية والسياسية في إسرائيل تشهد حالة من الجدل المتصاعد حول جدوى المواجهة المباشرة مع إيران. ويرى قائد سلاح الجو الأسبق، إيتان بن إلياهو أن تل أبيب انخرطت في نمط من الحروب يبرع فيه النظام الإيراني أكثر من غيره، واصفاً الوضع الحالي بأنه عودة لروتين 'وقف إطلاق النار' المتمثل في تبادل الضربات منخفضة الكثافة.
وأشار الجنرال السابق إلى أن المشهد العسكري تغير جذرياً عما كان عليه قبل سنوات، حيث لم يكن أحد يتخيل جرأة طهران على إطلاق عشرات الصواريخ المباشرة نحو العمق الإسرائيلي. وأوضح أن الرد الإسرائيلي الأخير، رغم دقته التقنية، انتهى بقرار سياسي أمريكي حال دون استكمال الهجمات، مما يعكس تداخلاً معقداً في الحسابات الدولية.
واعتبر بن إلياهو أن التدخل الأمريكي المتكرر لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية يضعف من تأثير الضربات الجوية على المدى البعيد. وأكد أن هذه هي المرة الثالثة التي تتدخل فيها واشنطن لإيقاف الطائرات الإسرائيلية وهي في طريقها لتنفيذ مهام هجومية أوسع، مما يحول المواجهة إلى حرب استنزاف لا تخدم المصالح الإسرائيلية المستعجلة.
وفي تقييمه لنتائج الهجمات الأخيرة، وضع القائد العسكري الأسبق ثلاثة مقاييس أساسية لفحص النجاح، خلص فيها إلى أن إسرائيل حافظت على سيادتها بالرد، لكنها فشلت في تحسين شروط التفاوض. وأضاف أن الهجمات لم تقرب إسرائيل من هدفها الاستراتيجي المعلن والمتمثل في إضعاف النظام الإيراني أو الدفع باتجاه تغييره.
وشدد إلياهو على أن الإيرانيين يشعرون اليوم بأنهم أكثر قوة رغم الضربات التي تلقوها، وذلك بسبب قدرتهم على امتصاص الصدمات العسكرية وتحويلها إلى مكاسب سياسية. ويرى أن الحل لا يكمن في الضربات الجوية الخاطفة فقط، بل في عمل سياسي ودبلوماسي طويل الأمد يستهدف الداخل الإيراني والرأي العام العالمي.
من جهة أخرى، انتقدت أوساط صحفية إسرائيلية 'شهوة الحرب' التي يروج لها الائتلاف الحكومي بقيادة بنيامين نتنياهو. وذكرت تقارير أن الوعود بتحقيق 'نصر تاريخي' يقضي على التهديد الإيراني للأجيال القادمة بدأت تتلاشى أمام واقع الضربات المتبادلة التي لا تحسم صراعاً، بل تزيد من تعقيده.
ولفتت المصادر إلى أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية تعيش حالة من الطوارئ الدائمة التي شلت مناحي الحياة وجعلت الملايين يهرعون للملاجئ عند كل تصعيد. هذا الواقع يفرض تساؤلات صعبة حول الفجوة بين الخطاب السياسي المتشدد والنتائج الميدانية التي لم تحقق الأمن المطلق الموعود.
إسرائيل دخلت حرباً يعرفها الإيرانيون بشكل أفضل منها، وما نراه الآن ليس إلا بشائر حرب استنزاف طويلة.
وقارنت التقارير بين العمليات العسكرية الكبرى السابقة مثل 'شعب كالأسد' و'زئير الأسد' وبين الجولة الحالية التي وصفت بالمحدودة. فبينما كانت إسرائيل تهاجم آلاف الأهداف في فترات زمنية قصيرة، اقتصر التحرك الأخير على طلعة جوية واحدة لم تلمس البنية التحتية الحساسة للنظام في طهران.
وفي سياق متصل، هاجمت الكاتبة يوعنا غونين الإجماع الصامت الذي يفرضه الخطاب العسكري في إسرائيل، معتبرة أن الجميع يصطف خلف المدافع دون تفكير في العواقب. وأشارت إلى أن المعارضة سقطت في فخ دعم الحرب دون تقديم بديل استراتيجي، مما منح الحكومة غطاءً للاستمرار في سياسات غير مجدية.
وأوضحت غونين أن الحروب غالباً ما تكون أسوأ مما يتوقعه الناس، حيث تبدأ بوعود النصر السريع والنظيف وتنتهي بصراعات دامية وطويلة الأمد. واعتبرت أن المجتمع الإسرائيلي بات ضحية لمفارقة تراجيدية بين ما يتخيله عن قوته وبين ما يفرضه الواقع من استنزاف مستمر.
كما نبهت المصادر إلى أن الصواريخ البالستية الإيرانية أصبحت حقيقة واقعة تتجاوز قدرة الردع التقليدية التي كانت تتباهى بها إسرائيل. هذا التحول دفع بعض الأصوات داخل المعارضة إلى إعادة النظر في جدوى التصفيق لكل عملية عسكرية لا تؤدي إلى إنهاء التهديد بشكل جذري.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يعول بشكل كبير على عودة دونالد ترامب للبيت الأبيض لتبني سياسة أكثر صرامة تجاه إيران. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة أثبتت أن الحسابات الأمريكية قد تتقاطع مع الرغبات الإسرائيلية في لحظات معينة لكنها لا تتطابق معها بالضرورة، خاصة فيما يتعلق بالحروب الشاملة.
وخلص الجنرال بن إلياهو إلى أن المواجهة مع إيران تتطلب 'نفساً طويلاً' يمتد لسنوات، بعيداً عن الاستعراضات العسكرية اللحظية. ودعا إلى ضرورة العودة للعمليات السرية والتأثير الدبلوماسي الذكي بدلاً من الانجرار خلف مواجهات علنية قد لا تستطيع إسرائيل حسمها بمفردها.
وتشير هذه التحليلات إلى وجود شرخ في الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه 'البعبع الإيراني'، حيث يتأرجح القرار بين التصعيد العسكري الشامل وبين الخضوع لقواعد الاشتباك التي تفرضها القوى الدولية والإقليمية، مما يجعل المستقبل مفتوحاً على كافة الاحتمالات.





Share your opinion
جنرال إسرائيلي سابق: دخلنا مواجهة استنزاف يتقنها الإيرانيون أكثر منا