Wed 10 Jun 2026 10:59 am - Jerusalem Time

شقيقة جندي قُتل في 'الشقيف': إسرائيل تستنسخ أخطاء الماضي وتقدس الحجارة على حساب الحياة

لا تزال أصداء العمليات العسكرية في قلعة الشقيف بجنوب لبنان تثير انقساماً حاداً داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث عبّرت رنيت غوترمان، شقيقة أحد الجنود الذين سقطوا في ذات الموقع عام 1982، عن استيائها من تكرار المشاهد ذاتها. واعتبرت غوترمان أن إسرائيل تصر على 'تجريب المجرب' واستنساخ أخطاء تاريخية أدت سابقاً إلى خسائر بشرية فادحة دون تغيير حقيقي في الواقع الأمني.

وفي حديث أدلت به لوسائل إعلام عبرية، تساءلت غوترمان بسخرية عما إذا كانت القلعة قد عادت حقاً للسيطرة الإسرائيلية، واصفة الاحتفالات الحالية باحتلال 'البوفور' بأنها من أكثر الهتافات إيلاماً. وأكدت أن هذا الحصن الصليبي المدمر ليس سوى كومة من الحجارة الشاهقة التي تحولت لدى البعض إلى رمز قومي زائف يغذي نشوة القوة، بينما يمثل لها ولعائلات الثكلى رمزاً للإحباط والفقد.

واستذكرت غوترمان شقيقها الأكبر، الرقيب راز غوترمان، الذي كان ضمن وحدة استطلاع 'غولاني' وأول من وطئت أقدامهم الحصن في اليوم الأول من حرب لبنان الأولى قبل عقود. وأشارت إلى أن شقيقها دفع حياته ثمناً لمعركة ثارت حولها شكوك كثيرة وآراء متباينة بشأن ضرورتها الجدوى العسكرية من ورائها في ذلك الوقت.

ووجهت السيدة الإسرائيلية تساؤلات قاسية للمؤسسة العسكرية والسياسية حول جدوى المعارك التي لا تغير الواقع الأمني في الشمال، بل تكتفي بخطف الأبناء إلى الأبد. ورأت أن البقاء لسنوات طويلة في شريط أمني غارق في الدماء لم يحقق الأمن المنشود، بل كان مقدمة لسلسلة من الجنائز التي لا تنتهي لجنود سقطوا بالقذائف والعبوات.

وشددت غوترمان على أن تجدد المواجهات العسكرية مراراً وتكراراً يثبت أن السيطرة على القلاع والمواقع الجغرافية لا تغير وجه الواقع السياسي أو الأمني. وأوضحت أن الحقيقة الماثلة هي أن هذه العمليات تقود فقط إلى مزيد من موت الجنود، دون الوصول إلى حل جذري ينهي حالة الصراع المستمر مع مقاتلي حزب الله.

وفي سياق نقدها للرواية الرسمية، توقفت عند ما روجته الصحف العبرية حول نشاط وحدة 'بدر' التابعة لحزب الله داخل القلعة لتبرير الهجوم الأخير. وأبدت استغرابها من هذه المبررات، مشيرة إلى أنها لم تسمع عن هذه الوحدة من قبل، ولم ترد تقارير عن اشتباكات فعلية هناك، مما يجعل الأمر يبدو كمحاولة لتضخيم 'إنجاز' عسكري وهمي.

وعبرت غوترمان عن مخاوفها العميقة من التحولات التي طرأت على وحدة استطلاع 'غولاني' والجيش الإسرائيلي بشكل عام، واصفة إياها بالتحولات ذات الطابع 'المسياني الغيبي'. وحذرت من خطورة تقديم تقديس الحجارة والمواقع التاريخية على قدسية الحياة البشرية، مؤكدة أنها لا تستطيع تقبل هذا النهج الذي يضحي بالجنود من أجل رموز صخرية.

وكشفت عن حجم الضغوط والترهيب الذي تتعرض له هي وعائلات قتلى معركة الشقيف عام 1982، حيث يتم وصفهم باليساريين وكارهي الدولة. وأشارت إلى أن الاستقطاب والكراهية في المجتمع الإسرائيلي وصل إلى مستويات خطيرة، وصلت إلى حد توجيه إهانات لوالدها الراحل والادعاء بأن ابنه الجندي كان سيخجل من مواقفه السياسية.

وردت غوترمان على منتقديها الذين يصفونها بالساذجة والحالمة، مؤكدة إدراكها لخطورة المنطقة التي تعيش فيها ووجود أعداء يحيطون بإسرائيل. ومع ذلك، شددت على أن الحل لا يكمن في القوة العسكرية المحضة، بل في السعي الجاد للتوصل إلى اتفاقات سياسية ممكنة مع الحكومة اللبنانية لتكون مسؤولة عن أراضيها.

واقترحت غوترمان استراتيجية بديلة تعتمد على الضغط الدولي، وتحديداً على الإدارة الأمريكية، للتوصل إلى تفاهمات مع إيران تتضمن كبح نيران حزب الله في المنطقة. وترى أن الدبلوماسية الدولية قد تكون أكثر فاعلية في حماية أمن إسرائيل من التورط في مغامرات عسكرية برية غير محسومة النتائج.

ودعت إلى ضرورة انتشار الجيش الإسرائيلي داخل الحدود أو على الخطوط المباشرة لضمان عدم المفاجأة، مع الحفاظ على يقظة استخبارية دائمة لا تتجاهل التحذيرات. كما طالبت بوقف الاستخفاف بدور المراقبات العسكريات، والابتعاد عن التصريحات الشوفينية التي تهمش دور الكفاءات في رصد التحركات المعادية قبل وقوع الكوارث.

وضربت غوترمان مثلاً بـ 'السلام البارد' مع مصر، معتبرة أنه رغم الانتقادات التي وجهت له، إلا أنه أثبت جدواه في تجنيب البلاد حروباً دامية مثل حرب أكتوبر. وتساءلت عما إذا كان هناك من يفضل العودة إلى أجواء الحروب الشاملة بدلاً من الحفاظ على اتفاقات السلام التي تحقن دماء الجنود والمدنيين على حد سواء.

وفي ختام حديثها، تطرقت إلى اللوحة المعدنية التي وضعت في قلعة الشقيف تخليداً لذكرى الجنود ثم أزيلت عند الانسحاب عام 2000، مؤكدة أنها كانت مبادرة فردية لم تُستشر فيها العائلات. واعتبرت أن مكان تلك اللوحات الطبيعي هو القواعد العسكرية وليس فوق قلاع لبنانية، مطالبة بالكف عن استغلال ذكرى الراحلين لأغراض سياسية.

وتعكس تصريحات غوترمان صوتاً متصاعداً داخل إسرائيل يحذر من الغرق مجدداً في 'المستنقع اللبناني'، وسط مخاوف من أن تكون العمليات الحالية مجرد تكرار لسيناريوهات سابقة لم تجلب سوى الاستنزاف. وتضع هذه الانتقادات الحكومة الإسرائيلية أمام تساؤلات صعبة حول الأهداف النهائية للتحركات العسكرية في الشمال ومدى قدرتها على تحقيق أمن مستدام.

Tags

Share your opinion

شقيقة جندي قُتل في 'الشقيف': إسرائيل تستنسخ أخطاء الماضي وتقدس الحجارة على حساب الحياة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.