خيمت حالة من التكدر والإحباط على المزاج العام في إسرائيل غداة فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقفاً لإطلاق النار بين طهران وتل أبيب. وتعكس التقارير الواردة من الداخل المحتل شعوراً ثقيلاً بالهزيمة السياسية، خاصة مع استمرار النزيف في مختلف الجبهات دون تحقيق وعود 'النصر المطلق' التي روج لها بنيامين نتنياهو.
وتنبع حالة 'الحموضة' في الشارع الإسرائيلي من نجاح إيران وحزب الله في فرض تحديات استراتيجية جديدة لم تكن قائمة قبل المواجهة الأخيرة. فقد تمكنت طهران من تكريس معادلة ترابط الجبهات، حيث باتت 'حيفا مقابل بيروت' قاعدة اشتباك واضحة تهدد العمق الإسرائيلي بشكل مباشر وغير مسبوق.
وأفادت مصادر بأن التدخل الأمريكي المباشر لإنهاء الجولة القتالية التي استمرت نحو 14 ساعة، عزز الانطباع بفقدان إسرائيل لسيادتها السياسية. ووصف خصوم نتنياهو، ومن بينهم أفيغدور ليبرمان، الحكومة الحالية بأنها حولت الدولة إلى 'جمهورية موز' تتلقى أوامرها مباشرة من واشنطن فيما يخص قرارات الحرب والسلم.
وفي قراءة للصحافة العبرية، أشارت تحليلات إلى أن إنهاء التراشق الأخير يسمح للإدارة الأمريكية بالتركيز على مسارات تفاوضية جديدة، لكنه يترك إسرائيل في حالة من الانكشاف الأمني. واعتبر مراقبون أن الهجمة المحدودة على إيران كانت مجرد محاولة من نتنياهو للتظاهر بالحزم، بينما الواقع يشير إلى تزايد التبعية للولايات المتحدة.
وعبرت الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الكبرى عن حالة الارتباك التي تعيشها القيادة العسكرية والسياسية، حيث وصفت 'زئير الأسد' الإسرائيلي بأنه تحول إلى 'مواء قط'. وأكدت التحليلات الاستخباراتية أن ترامب هو من وضع حداً لطموحات نتنياهو في توسيع الحرب، موجهاً له رسائل حازمة بضرورة التوقف فوراً.
وتشير التقارير إلى أن إيران باتت اليوم أكثر ثقة وجرأة في مواجهاتها الإقليمية، خاصة بعد استخدامها صواريخ باليستية متطورة مثل 'خيبر شكن' و'عماد'. هذه الصواريخ التي تصل سرعتها إلى 9 ماخ، أحدثت صدمة في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية ودفعت نحو إعادة تقييم القدرات الصاروخية الإيرانية.
وفي الجليل المحتل، يعبر المستوطنون عن غضب عارم بسبب استمرار حالة الطوارئ وسقوط المسيرات رغم إعلان وقف النار مع طهران. وصرح مسؤولون محليون في الشمال بأن الواقع الميداني لم يعد يتيح استمرار الحياة الطبيعية، حيث يفر المستوطنون من المنطقة نتيجة القصف المستمر وصافرات الإنذار التي لا تتوقف.
إسرائيل باتت تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى 'جمهورية موز' لا تملك قراراً سيادياً حول الحرب والسلام.
وحذر مستشارو أمن قومي سابقون من خطورة 'تخدير' إسرائيل عبر اتفاقيات هشة مع النظام الإيراني، واصفين أي اتفاق وشيك بأنه 'ورقة بلا قيمة'. وشدد هؤلاء على أن السماح لطهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم يمثل تهديداً وجودياً لا يمكن التغاضي عنه تحت ضغوط الإدارة الأمريكية الحالية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران استعادت قدراتها التشغيلية في أكثر من 30 موقعاً صاروخياً مطلاً على مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا التحرك العسكري يعزز من أوراق القوة الإيرانية في أي مفاوضات قادمة، ويجعل من خيار الضغط العسكري الإسرائيلي المنفرد أمراً محفوفاً بالمخاطر الكبرى.
وانتقد جنرالات سابقون في وزارة الأمن غياب الرؤية السياسية لدى حكومة الاحتلال، مؤكدين أن المنجزات العسكرية التكتيكية تتبدد دون استراتيجية واضحة. ويرى هؤلاء أن إسرائيل دخلت في مأزق استراتيجي يجعلها تدور في حلقات مفرغة من الجولات القتالية دون حسم نهائي لأي من الجبهات المشتعلة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يرى خبراء أن علاقة تل أبيب بواشنطن تمر بمرحلة حرجة، حيث يعتقد قطاع واسع من الأمريكيين أن هذه الحروب تخدم مصالح نتنياهو الشخصية. وفي المقابل، تنجح إيران في تحسين موقعها الإقليمي والدولي، مستغلة التخبط الإسرائيلي في إدارة ملفات غزة ولبنان والملف النووي.
وكان مقر 'ختم الأنبياء' الإيراني قد أعلن وقف العمليات العسكرية نصرة للشعب اللبناني، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام ردود أشد قسوة. هذا الإعلان وضع القيادة الإسرائيلية في موقف دفاعي، حيث تحاول الموازنة بين ضغوط الشارع المطالب بالأمن وأوامر البيت الأبيض الداعية للتهدئة.
وفي ظل هذه التطورات، تبرز تقديرات متباينة حول حجم الترسانة الصاروخية الإيرانية المتبقية، حيث تتحدث تقارير عن امتلاك طهران لأكثر من ألف صاروخ بعيد المدى جاهز للإطلاق. هذا الغموض الاستخباراتي يزيد من حذر القيادة العسكرية الإسرائيلية في اتخاذ أي خطوات تصعيدية مستقبلية قد تؤدي لحرب شاملة.
ختاماً، يبقى المزاج الإسرائيلي رهيناً لنتائج هذه الجولة التي لم تحقق الردع المطلوب، بل عمقت من أزمة الثقة بين الجمهور والقيادة. ومع استمرار التهديدات الإيرانية والتبعية المطلقة للقرار الأمريكي، تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها قواعد اشتباك لم تكن في حسبانها.





Share your opinion
إحباط في الأوساط الإسرائيلية عقب وقف النار مع طهران: معادلات جديدة وتبعية مطلقة لواشنطن