Sun 07 Jun 2026 1:24 pm - Jerusalem Time

معركة الكرامة خلف الستائر: أزمة المراحيض تلاحق نازحي غزة في خيامهم

في زاوية ضيقة داخل خيمته البسيطة جنوبي قطاع غزة، يحاول مصطفى شعبان انتزاع قدر من الخصوصية لعائلته عبر تشييد مرحاض مؤقت خلف ستارة قماشية. قام شعبان بحفر حفرة في التربة الرملية وثبّت فوقها دلواً بلا قاع ومقعداً بلاستيكياً متهالكاً، في محاولة يائسة لتجنيب زوجته وأطفاله طوابير الذل في المراحيض العامة.

تفوح الروائح الكريهة من هذا المكان البدائي ويحوم حوله الذباب والبعوض على مسافة قريبة جداً من مكان نوم العائلة وإعداد طعامهم اليومي. ويضطر شعبان، الذي هجره الاحتلال من رفح قبل عامين، إلى إفراغ خزان الصرف الصحي يدوياً كل أسبوع، معتبراً أن هذا العبء أهون من استخدام مراحيض المخيم العامة.

تعكس قصة شعبان مأساة نحو 1.7 مليون فلسطيني باتوا بلا مأوى، حيث تحولت مدن الخيام الشاسعة إلى بيئة خصبة للأوبئة نتيجة غياب المرافق الصحية الملائمة. وأجبرت العائلات النازحة على الاعتماد على إمكانياتها الذاتية لحفر مراحيض خاصة، يشترك في بعضها عشرات الأفراد من العائلات الممتدة في ظل ظروف قاسية.

في المراحيض العامة الموزعة على أطراف المخيمات، ينتظر الرجال والنساء والأطفال في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس أو برد الشتاء لقضاء حاجتهم. وتفصل أقمشة رقيقة أو ألواح معدنية صدئة بين المستخدمين وحشود الغرباء في الخارج، مما يولد شعوراً دائماً بانتهاك الخصوصية وانعدام الأمان، خاصة لدى النساء.

تؤكد تقارير حقوقية وميدانية أن الكارثة الصحية بلغت ذروتها مع انهيار أكثر من 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي في القطاع. وجاء هذا الانهيار نتيجة القصف المباشر والعمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة، مما أدى لفيضان الحفر الامتصاصية وانتشار برك المياه العادمة بين الخيام المتراصة.

من جانبها، تصف إيمان منصور، وهي حامل في شهرها الثالث، الوضع بأنه يفوق القدرة على الاحتمال، مشيرة إلى أن الحق في مرحاض نظيف بات يفوق أهمية الغذاء. وترى إيمان أن انتشار الحشرات والروائح الكريهة يهدد صحة جنينها وأطفالها، في وقت تظل فيه مشاريع المنظمات الإغاثية محدودة جداً ولا تغطي الاحتياجات المتزايدة.

وتصطدم محاولات النازحين لتحسين ظروفهم بعقبات مالية باهظة، حيث يبلغ سعر مقعد المرحاض المصنوع من البورسلين نحو 2000 شيكل، وهو مبلغ خيالي لعائلات فقدت كل مدخراتها. هذا الغلاء الفاحش دفع البعض لاستخدام كراسي مثقوبة أو الاكتفاء بوضعية القرفصاء فوق حفر رملية تفتقر لأدنى معايير السلامة الصحية.

وفي أسواق المخيمات الناشئة، ظهرت ابتكارات بدائية لمواجهة الأزمة، حيث يقوم بعض الحدادين بصناعة ألواح معدنية لتثبيتها حول حفر المراحيض لتسهيل عملية التنظيف. وتباع هذه الألواح بنحو 100 شيكل، ورغم بساطتها، إلا أنها تظل بعيدة عن متناول الكثيرين الذين يعيشون على المساعدات الشحيحة.

خالد كلاب، نازح آخر في مخيمات خان يونس، يقضي ساعات يومه في محاولة يائسة لتنظيف مجاري الصرف الصحي التي تحاصر خيمته من كل جانب. ويشير خالد بحسرة إلى ابنته الصغيرة سيلا، التي غطت التقرحات الجلدية جسدها النحيل نتيجة التلوث البيئي المحيط بهم، مؤكداً أن العيش في هذه الظروف يورث شعوراً دائماً بالعار.

ويبقى مشهد الطفلة التي تصب الماء من دلو صغير في مرحاض مؤقت داخل خيمتها صورة مكثفة لواقع مرير يعيشه أطفال غزة. ومع غياب أي أفق لإعادة الإعمار أو إصلاح البنية التحتية، تظل 'معركة الكرامة' في أبسط صورها الإنسانية هي التحدي الأكبر الذي يواجه النازحين خلف ستائر خيامهم المتهالكة.

Tags

Share your opinion

معركة الكرامة خلف الستائر: أزمة المراحيض تلاحق نازحي غزة في خيامهم

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.