بينما يتجاوز عدد سكان الأرض، مع نشر هذه الكلمات، ثمانية مليارات وثلاثمائة مليون نسمة، ينشغل معظم البشر بالسعي إلى تأمين غذائهم اليومي، إذ يعاني نحو ٩٠٠ مليون شخص حول العالم من الجوع القاتل، في زمن تسعى البقية المتبقة لضمان مستقبلها في عالم يتسارع إيقاعه على نحو غير مسبوق.
وفي خضم هذا السباق المحموم، تتنافس الشركات على تقديم أحدث الهواتف الذكية لتنتج البشرية يوميا اكثر من سبعة ملايين جهاز، إضافة إلى إنتاج الساعات الرقمية والحواسيب اللوحية بصورة متصاعدة، فيما يلهث أكثر من سبعة مليارات من البشر خلف الانترنت، بحثاً عن كل جديد وعن كل ما يَعِد بمزيد من الراحة والسرعة والاتصال.
لكن المفارقة تكمن في أن البشرية، وهي تتقدم بخطى واسعة نحو المستقبل، لا تتوقف عن الالتفات إلى الماضي. فبينما يغوص الناس في صفحات الإعلام الاجتماعي بحثاً عن أحدث الصيحات وأسرار الذكاء الاصطناعي، يبحثون في الوقت ذاته عن وصفات غذائية تشفيهم من الأمراض تطيل أعمارهم، وتحافظ على شبابهم، وتمنحهم مظهراً أكثر صحة وجمالاً، وهو ما يدفع سكان الولايات المتحدة الامريكية لوحدها إلى إنفاق أكثر من 163 مليون دولار على برامج إنقاص الوزن يومياً.
وبينما يتسابق كثيرون إلى اقتناء السيارات العادية والفارهة لتتجاوز في إنتاجها حاجز الـ39 مليون سيارة منذ بداية العام الحالي، تستمر البشرية في مسعاها لاكتشاف المزيد من خفايا العلوم إضافة إلى استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي المتعاظمة وتفاصيل العلاج عن بعد وألغاز الخلايا الجذعية وسبل علاج السرطان الذي ما انفك يفتك بالبشرية، لكنها وأمام هذا التسارع المحموم على الحداثة تتصاعد فاتورة الإنفاق اليومي على الصحة لتتجاوز 15 مليار دولار، ولتجد البشرية نفسها تنتج ما يعيدها إلى الماضي وما يمكن أن ينقذها من الفناء المحتم. فتزداد شعبية الدراجات الهوائية مثلاً لتتفوق على إنتاج السيارات وتتخطى حاجز الـ 69 مليون دراجة منذ بداية العام، وتنتشر أجهزة الرياضة المنزلية، في محاولة لاستعادة الرشاقة التي سلبتها أنماط الحياة الحديثة. كما تتعاظم الدعوات إلى تقليل الاعتماد على الإنترنت واستعادة الخصوصية المفقودة، حتى بات البعض يعود إلى استخدام الهواتف المحمولة التقليدية بعيداً عن ضجيج التطبيقات والتنبيهات المستمرة واقتحام الخصوصية الفردية التي تفرضها الأجهزة الذكية وتطبيقات الإعلام الاجتماعي على تعددها.
وفي الغذاء أيضاً، تتجلى هذه العودة؛ إذ يتزايد الإقبال على المنتجات العضوية والزيوت الطبيعية والأطعمة الأقل تصنيعاً، وكأن الإنسان، بعد رحلة طويلة من التقدم التقني، يعيد اكتشاف ما عرفه أسلافه منذ زمن بعيد.
هكذا تبدو البشرية اليوم: عين على المستقبل بكل ما يحمله من ابتكار، وحسرة على خيرات الماضي لتستلهم منه ما يحفظ التوازن في حياة تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
وأمام هذا الغليان العالمي وصخب الأرقام والإحصاءات ووجع الصور المنبعثة من فلسطين، يتراجع اهتمام البشر في الحفاظ على منظومة القيم الدولية، فتتكرر معاناة الفلسطيني وتشرد دون أن تكون هناك تدخلات بشرية تغير هذا الحال. لذلك، لا بد من التفكير ملياً في سباق البشرية في كل الاتجاهات وحسرتها على حالها وما آلت إليه الأمور من نقص في فيتامين الإنسانية. للحديث بقية.
[email protected]
Sun 07 Jun 2026 9:47 am - Jerusalem Time





Share your opinion
البشرية.. عين على المستقبل وحسرة على الماضي