ابتكر الإعلام العربي مصطلح 'الجملوكية' للتعبير عن الحالة الهجينة التي تعيشها بعض الأنظمة، حيث تتدثر بعباءة الجمهورية بينما تمارس الملكية الوراثية في أبهى صورها. وقد تجلى هذا النموذج في عدة دول عربية، بدءاً من سوريا وانتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ولده بشار، وصولاً إلى محاولات التوريث في مصر وليبيا واليمن قبل اندلاع ثورات الربيع العربي.
لا يقتصر التوريث على الأنظمة الشمولية فحسب، بل يمتد ليشمل الساحة اللبنانية التي تُعد نموذجاً فريداً للديمقراطية الحزبية الوراثية. فالعائلات السياسية مثل آل شمعون وآل الجميل وآل جنبلاط حافظت على مقاعدها القيادية عبر الأجيال، مما جعل العمل الحزبي مرتبطاً بالجينات العائلية أكثر من البرامج السياسية المتغيرة.
وفي السودان، برزت زعامة حزب الأمة كنموذج آخر لتوارث النفوذ الديني والسياسي، حيث انتقلت القيادة من عبد الرحمن المهدي إلى ابنه الصديق ثم حفيده الصادق المهدي. هذا النمط من القيادة يعكس تجذر الولاءات العائلية في بنية الأحزاب السياسية الكبرى في المنطقة العربية، متجاوزاً الأطر الديمقراطية التقليدية.
وعلى ضفة أخرى، تبرز الولايات المتحدة التي تقدم نفسها كوصية على الديمقراطية العالمية، لكنها لا تخلو من ممارسات التوريث السياسي الواضحة. فقد أعد الرئيس جون كينيدي شقيقه روبرت ليكون ولياً للعهد عبر تعيينه مدعياً عاماً، قبل أن تنتهي طموحات العائلة باغتيال روبرت على يد الفلسطيني سرحان بشارة عام 1968.
عائلة بوش قدمت مثالاً صارخاً آخر، حيث ورث جورج دبليو بوش كرسي الرئاسة عن والده جورج هيربرت بوش، في مشهد يعيد للأذهان الأنظمة الملكية. كما حاولت عائلة كلينتون الحفاظ على نفوذها من خلال دفع هيلاري كلينتون لخوض السباق الرئاسي، مما يعزز فكرة 'العائلات الحاكمة' داخل النظام الديمقراطي الأمريكي.
لكن الجريمة الأكبر في حق البشرية، كما يصفها المحللون، كانت في عهد الرئيس أيزنهاور حين سلم مقاليد السياسة الخارجية والمخابرات للأخوين دلاس. فقد تولى جون فوستر دلاس وزارة الخارجية، بينما ترأس شقيقه ألين وكالة المخابرات المركزية، ليتحول القرار السيادي الأمريكي إلى 'بزنس عائلي' بامتياز.
تسبب الشقيقان دلاس في موجة من الاضطرابات العالمية التي لا يزال العالم يعاني من تبعاتها حتى اليوم، خاصة في فيتنام وإيران وغواتيمالا. وقد اتسمت سياستهما بالدموية والاعتماد على الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية لفرض الهيمنة الأمريكية وتأمين مصالح واشنطن في القارات المختلفة.
لو تمادى ناصر في سياسته هذه، فإنني لن أتردد في تمزيقه إلى نصفين.
في عام 2013، صدر كتاب 'الأخوان' ليسلط الضوء على هذه الحقبة، حيث وصفت رئيسة تحرير الغارديان الكتاب بأنه يفسر سبب كراهية معظم دول العالم للسياسة الأمريكية. الكتاب يكشف كيف غرس الشقيقان 'الفيروس الأمريكي' في أوصال النظام العالمي عبر صياغة مبادئ تبرر التدخل العسكري المباشر والمستتر.
كان 'مبدأ أيزنهاور' الذي صاغه الأخوان دلاس يهدف بالأساس لملء الفراغ الذي تركه الاستعمار البريطاني والفرنسي في الخمسينيات. وقد منح هذا المبدأ واشنطن الذريعة للتدخل في أي بلد تظهر فيه بوادر نفوذ سوفييتي، مما حول العالم إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى العظمى على حساب سيادة الشعوب.
وفي الشرق الأوسط، كان للأخوين دلاس دور محوري في هندسة التدخل العسكري في لبنان عام 1958 لدعم حكومة كميل شمعون. كان الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل هو منع لبنان من الانخراط في مشروع الوحدة العربية الذي قاده جمال عبد الناصر، وتطويق المد القومي الذي كان يهدد المصالح الغربية.
العداء الشخصي والسياسي تجاه جمال عبد الناصر كان واضحاً في تصريحات ألين دلاس، الذي هدد صراحة بتمزيق الزعيم المصري إذا استمر في سياساته الوحدوية. هذا الموقف يعكس النظرة الاستعلائية التي كان يدار بها الملف العربي، حيث كان يُنظر للوحدة العربية كخطر وجودي يجب تحطيمه بكافة الوسائل.
نشأ الأخوان دلاس في بيئة دينية متشددة ترى نفسها أعلى شأناً من الآخرين، وهو ما انعكس على رؤيتهما السياسية للعالم. فقد ورثا عن جدهما، الذي كان وزيراً للخارجية ومهندساً لأول انقلاب خارجي في هاييتي، نظرة استعمارية تعتبر الشعوب الأخرى 'برابرة' يحتاجون للتمدين القسري.
هذه الخلفية العائلية أنتجت نظرة 'مانوية' للكون، تقسم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق، إما 'معنا أو علينا'. هذه العقلية الإقصائية كانت المحرك الأساسي للتدخلات الأمريكية التي خلفت حصاداً مراً في عشرات البلدان، حيث دُمرت أنظمة ديمقراطية ناشئة لصالح ديكتاتوريات عسكرية موالية لواشنطن.
إن قصة الأخوين دلاس والأنظمة 'الجملوكية' العربية تلتقي في نقطة واحدة، وهي تغليب المصالح العائلية والضيق بالديمقراطية الحقيقية. وسواء كان التوريث في دمشق أو واشنطن، فإن النتيجة واحدة: تهميش إرادة الشعوب وتحويل مقدرات الدول إلى إرث خاص يتداوله الأبناء والإخوة بعيداً عن صناديق الاقتراع النزيهة.





Share your opinion
الجملوكية العابرة للقارات: كيف تحول الحكم في الجمهوريات والديمقراطيات إلى شأن عائلي؟