تمر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بواحدة من أعقد أزماتها البنيوية منذ عقود، حيث تسببت الحروب المستمرة على جبهات متعددة في ظهور مؤشرات خطيرة لنقص الكوادر البشرية. هذا الواقع فتح نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والأمنية حول قدرة الجيش على إدارة صراعات طويلة الأمد دون حدوث انهيار في منظومته القتالية الأساسية.
وكشفت معطيات رسمية عُرضت أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست عن حجم الفجوة القائمة، حيث أعلن العميد شاي تايب، رئيس شعبة القوى البشرية أن الجيش يعاني عجزاً يصل إلى 12 ألف جندي. وأوضح تايب أن الجزء الأكبر من هذا النقص يتركز في الوحدات القتالية التي تمثل العمود الفقري للعمليات البرية، محذراً من تفاقم الأزمة مستقبلاً.
وتشير التقارير إلى أن النقص الحاد يطال وحدات المشاة والمدرعات والهندسة العسكرية، وهي القوات التي تحملت العبء الأكبر منذ اندلاع المواجهات في عام 2023. ومع اتساع رقعة العمليات لتشمل غزة ولبنان والضفة الغربية وسوريا، تضاعفت الضغوط على الموارد البشرية المتاحة بشكل غير مسبوق في تاريخ الدولة العبرية.
وأمام هذا التحدي، اضطرت القيادة العسكرية إلى توسيع الاعتماد على قوات الاحتياط، حيث جرى استدعاء نحو 100 ألف جندي إضافي لمساندة القوات النظامية. هذا الاستنفار الدائم فرض حالة من الإنهاك البدني والذهني على الجنود الذين وجدوا أنفسهم يتنقلون بين جبهات القتال لفترات زمنية متواصلة دون فترات راحة كافية.
ولم يعد التحدي مرتبطاً بالأعداد فقط، بل بطول مدة الخدمة وتكرارها، حيث أفادت مصادر بأن بعض جنود الاحتياط استُدعوا لأكثر من سبع مرات منذ بدء الحرب. هذا التكرار أدى إلى تداعيات اقتصادية واجتماعية وخيمة، حيث كشفت استطلاعات رأي عن وقوع ثلث عائلات هؤلاء الجنود في أزمات مالية حادة نتيجة الغياب الطويل عن أعمالهم.
وحذر مدير عام وزارة الدفاع، إيال زامير، من أن استمرار استنزاف قوات الاحتياط قد يقود المؤسسة العسكرية إلى أزمة داخلية عميقة لا يمكن تداركها بسهولة. ويرى زامير أن الاعتماد المفرط على فئة محددة من المجتمع يهدد التماسك العام ويزيد من حالة التذمر داخل صفوف القوات التي تشعر بظلم في توزيع الأعباء الأمنية.
وفي قلب هذه الأزمة، يبرز ملف تجنيد اليهود المتشددين (الحريديم) كقضية شائكة تثير انقساماً حاداً في المجتمع الإسرائيلي. فبينما يواجه الجنود الموت في الميدان، لا يزال عشرات الآلاف من الحريديم خارج الخدمة العسكرية، مما دفع المحكمة العليا للضغط باتجاه إنهاء الإعفاءات التاريخية الممنوحة لهم بدعوى المساواة.
المؤسسة العسكرية تعاني حالياً نقصاً يقترب من 12 ألف جندي، مع تحذيرات من ارتفاع العجز إلى 17 ألفاً في ظل استمرار استنزاف الوحدات القتالية.
وانتقدت المحكمة العليا تباطؤ الحكومة في تنفيذ قرارات التجنيد، وطالبت بفرض عقوبات اقتصادية صارمة على المتهربين من الخدمة وإلغاء الامتيازات المالية للمعاهد الدينية. هذا الصدام القانوني والسياسي يعكس عمق الشرخ الاجتماعي الذي أحدثته الحرب، حيث بات مبدأ 'تقاسم الأعباء' مطلباً شعبياً ملحاً لتخفيف الضغط عن المقاتلين.
ويرى مراقبون أن نموذج 'جيش الشعب' الذي تأسس عليه الجيش الإسرائيلي يواجه خطر التآكل الفعلي نتيجة هذه التصدعات. فالمفهوم الذي يفترض مشاركة الجميع في الدفاع عن الدولة بات موضع تساؤل، في ظل شعور فئات واسعة بأنها تتحمل وحدها ضريبة الدم والجهد الاقتصادي بينما تعفى فئات أخرى لأسباب سياسية.
وعلى الصعيد الميداني، امتدت آثار الأزمة لتطال البنية القيادية للجيش، حيث أدت الخسائر البشرية بين الضباط إلى فراغات كبيرة في القيادات الميدانية. واضطرت رئاسة الأركان إلى تسريع عمليات التعيين وإعادة ضباط متقاعدين إلى الخدمة لسد النقص في قادة الوحدات الذين سقطوا خلال المعارك الضارية.
كما انعكست الضغوط العملياتية سلباً على برامج التدريب والتأهيل العسكري، حيث جرى تقليص فترات إعداد الجنود والوحدات لضمان تواجدهم المستمر في الميدان. هذا الإجراء أثار مخاوف جدية لدى الخبراء العسكريين من تراجع مستوى الجاهزية المهنية والقتالية للجيش على المدى البعيد، مما قد يؤثر على أدائه في أي مواجهات مستقبلية.
ويحذر ضباط كبار من أن الحلول المؤقتة، مثل تمديد الخدمة الإلزامية وزيادة أيام الاحتياط، ليست سوى مسكنات لأزمة هيكلية أعمق. ويؤكد هؤلاء أن استمرار الحرب على جبهات متعددة يتطلب إعادة نظر شاملة في استراتيجية القوى البشرية، بما يضمن بناء كادر قيادي وميداني قادر على الصمود أمام استحقاقات الحروب الطويلة.
في نهاية المطاف، تبدو المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الأزمات الاجتماعية والسياسية. إن قدرة الجيش على تجاوز نقص الـ 12 ألف جندي لا تعتمد فقط على القرارات العسكرية، بل على قدرة النظام السياسي على حسم ملفات التجنيد الشائكة وإعادة صياغة العقد الاجتماعي العسكري.





Share your opinion
أزمة استنزاف عميقة: كيف أضعفت حرب الجبهات المتعددة بنية الجيش الإسرائيلي؟