Fri 29 May 2026 8:19 pm - Jerusalem Time

إيكونوميست: التكنولوجيا والمسيرات تنهي عصر الحروب السهلة وتمنح القوى الضعيفة أنياباً فتاكة

نشرت مجلة إيكونوميست تحليلاً موسعاً حول التحولات الجذرية في أساليب القتال الحديثة، مؤكدة أن التكنولوجيا والمسيرات أعادت صياغة مفهوم القوة العسكرية. وأوضحت المجلة أن الدول الصغيرة والضعيفة باتت تمتلك اليوم قدرة غير مسبوقة على الدفاع عن نفسها ضد أعداء يفوقونها قوة، وذلك باستخدام أسلحة رخيصة الثمن ولكنها ذات فاعلية تدميرية عالية.

وتشير الإحصائيات المرصودة بين عامي 2021 و2024 إلى أن القنابل وعمليات القصف المباشر أدت لمقتل أكثر من ثلاثة أرباع مليون شخص. هذا الرقم لا يشمل الضحايا الذين قضوا بسبب الآثار الجانبية للنزاعات مثل الجوع وتفشي الأمراض، مما يجعل خسائر القتال في السنوات الأخيرة هي الأعلى منذ حقبة الحرب الباردة.

ويرى التحليل أن القادة الذين أشعلوا فتيل النزاعات الأخيرة لم يحققوا النتائج المرجوة، حيث تحول الغزو الروسي لأوكرانيا إلى استنزاف طويل الأمد. كما أن السياسات التصعيدية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية ضد إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل أدت إلى تعقيدات ميدانية وسياسية غير متوقعة في المنطقة.

لقد جعلت التكنولوجيا الحديثة من الصعب على أي جيش نظامي التقدم في ساحة المعركة دون تكبد خسائر فادحة. فأجهزة الاستشعار المتطورة والأقمار الاصطناعية جعلت تحركات الجنود مكشوفة تماماً، بينما تقوم الطائرات المسيرة الصغيرة باصطياد الأهداف بدقة متناهية وتكلفة زهيدة مقارنة بالأسلحة التقليدية.

وتجسد الجبهة في أوكرانيا هذا التحول بوضوح، حيث تحولت خطوط المواجهة إلى ما يشبه 'مناطق القتل' التي يضطر فيها الجنود للتحرك في مجموعات صغيرة جداً. وفي هذا السياق، تبرز الروبوتات الأرضية كبديل حيوي لإجلاء المصابين وتوصيل الإمدادات العسكرية، مما يقلل من الانكشاف البشري المباشر.

وفي لبنان، تواجه قوات الاحتلال حالياً تحديات مماثلة من خلال استخدام طائرات مسيرة متطورة تشبه تلك التي أثبتت كفاءتها في شرق أوروبا. كما تطورت القدرات الصاروخية الإيرانية لتصبح أكثر دقة بمراحل مما كانت عليه في العقود السابقة، مما يغير قواعد الاشتباك التقليدية في الشرق الأوسط.

وتؤكد المجلة أن تحقيق التفوق الجوي المطلق بات أمراً شبه مستحيل في ظل الانتشار الكثيف للمسيرات في المجال الجوي. هذا الواقع الجديد يفرض على الجيوش إعادة النظر في استراتيجيات المناورة والتحرك السريع، حيث لم تعد نقاط ضعف العدو سهلة الاختراق كما كانت في السابق.

وتعتقد إيكونوميست أن الجيوش الغربية، بما فيها قوات حلف الناتو، باتت متأخرة عن ركب التطورات التكنولوجية الأخيرة في ساحات القتال. وهي الآن بحاجة ماسة لتكثيف التدريب على أنظمة التشويش والدفاعات المضادة للمسيرات، مستعينة بالخبرات الميدانية التي اكتسبها الأوكرانيون في مواجهة التكنولوجيا الروسية.

التحول الثاني الكبير يكمن في استخدام البرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف العسكرية وضربها بسرعة فائقة. ورغم أن هذه التقنيات تمنح الجيوش قدرة على شل حركة الخصم نظرياً، إلا أن الواقع العملي أثبت أن القصف المكثف لا يؤدي بالضرورة إلى استسلام الطرف الآخر.

وتبرز الحالة الإيرانية كمثال، حيث استمرت طهران في إطلاق المسيرات والصواريخ طوال 39 يوماً من الصراع رغم القصف الأمريكي والإسرائيلي المركز. هذا الصمود كشف عن محدودية القدرة على تحمل التكاليف الاقتصادية والبشرية للحروب الطويلة، حتى بالنسبة للقوى العظمى التي تمتلك ذخائر باهظة الثمن.

وفيما يتعلق بالجانب الأخلاقي والقانوني، يشير التقرير إلى تزايد الانتهاكات الصارخة لقوانين الحرب من قبل قوى كبرى وديمقراطيات غربية. فقد مارست سلطات الاحتلال عقاباً جماعياً وحشياً ضد المدنيين في قطاع غزة، في ظل تصريحات لمسؤولين أمريكيين تستهين بالشرعية الدولية في العمليات العسكرية.

إن التهديدات التي أطلقها ترامب بشأن إبادة حضارات أو استهداف سفن مدنية تعكس تآكلاً خطيراً في الأعراف الدولية التي تحمي غير المقاتلين. وهذا النهج ليس غير أخلاقي فحسب، بل هو غير حكيم استراتيجياً، لأن الحروب المستقبلية ستطال المدنيين في كل مكان بفضل الصواريخ بعيدة المدى.

وتخلص المجلة إلى أن ازدراء التحالفات الدولية يضعف قدرة القوى الكبرى على ردع المعتدين ويزيد من احتمالات نشوب صراعات جديدة. ويجب على القادة السياسيين التخلي عن وهم 'الحرب السريعة وغير المؤلمة'، فالواقع يثبت أن بدء الحروب أسهل بكثير من إيجاد مخرج مشرف منها.

وفي الختام، يوجه التحليل رسالة للقادة في واشنطن وموسكو وبكين بضرورة التفكير ملياً قبل الانخراط في 'حروب اختيارية'. فمع التطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية، أصبحت هذه الحروب مغامرات تتسم بالغباء السياسي وتؤدي إلى استنزاف الموارد والأرواح دون تحقيق انتصارات حاسمة.

Tags

Share your opinion

إيكونوميست: التكنولوجيا والمسيرات تنهي عصر الحروب السهلة وتمنح القوى الضعيفة أنياباً فتاكة

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.