Fri 29 May 2026 7:04 pm - Jerusalem Time

مآلات 'تصحيح المسار' في تونس: بين طموح التأسيس الجديد وهشاشة الواقع السياسي

نجحت سردية 'تصحيح المسار' التي أطلقها الرئيس التونسي قيس سعيد منذ يوليو 2021 في إعادة هندسة الحقل السياسي التونسي بشكل جذري. وقد أدت هذه الإجراءات إلى إغلاق ما يعرف بـ'الفاصلة الديمقراطية' وتحييد الأجسام الوسيطة، ممهدة الطريق لنظام رئاسوي يركز السلطات بيد الرئيس.

في ظل النظام الجديد الذي صاغ الرئيس دستوره بنفسه، تحولت السلطات التقليدية إلى مجرد 'وظائف' إدارية تابعة. وأصبحت المؤسسات التي رفضت الانخراط الكامل في توجهات السلطة تُصنف ضمن 'الخطر الجاثم' الذي يعيق ما يصفه الرئيس بـ'حرب التحرير الوطني'.

على مدار السنوات الماضية، نجح قيس سعيد في تحويل حالة الاستثناء المؤقتة إلى مرحلة انتقالية دائمة أسست لـ'جمهورية جديدة'. هذا التحول شمل وضع دستور جديد وتغيير النظام السياسي والبرلماني، مع تحصين منصب الرئاسة ضد أي مساءلة برلمانية مستقبلية.

يبرز التساؤل حول كيفية نجاح الرئيس في نقض مخرجات عشرية الانتقال الديمقراطي رغم افتقاره لرافعة حزبية منظمة. ويرى مراقبون أن صعوده اعتمد على خطاب 'البديل' لا 'الشريك'، مستفيداً من حالة الإحباط الشعبي تجاه المنظومة الحزبية السابقة.

كان قيس سعيد، بصفته خبيراً دستورياً، صريحاً في نقده للمنظومة الحزبية منذ عام 2013، حين طالب برحيل الجميع. وقد حظي باحترام واسع كشخصية أكاديمية محايدة، مما جعل النخب السياسية تسيء تقدير طموحاته السياسية الحقيقية وقدرته على التغيير.

استخفت النخب المهيمنة بمشروع الرئيس، حيث رأت فيه بعض الأطراف حليفاً موضوعياً لإزاحة حركة النهضة من المشهد. بينما اعتقدت أطراف أخرى أنه شخص يمكن احتواؤه بسهولة نظراً لافتقاره لتاريخ نضالي أو قاعدة داخل أجهزة الدولة العميقة.

أثبتت الوقائع تهافت قراءات العقل السياسي التونسي يميناً ويساراً، حيث تحرك سعيد بمنطق 'التأسيس الثوري الجديد' الذي ينفي الحاجة للأحزاب. وبدلاً من الشراكة، وجد الفاعلون السياسيون أنفسهم أمام مشروع يسعى لحل الأجسام الوسيطة وتعويضها بديمقراطية قاعدية.

تلاقت أهداف مشروع الرئيس موضوعياً مع استراتيجيات قوى إقليمية ودولية تسعى لإنهاء تجارب الربيع العربي. ورغم خطابه التحرري، وجد الرئيس نفسه مضطراً للاستعانة بـ'حزب الإدارة' وبقايا اليسار الوظيفي لتنفيذ رؤيته السياسية وإدارة شؤون الدولة.

تؤكد تجربة 'تصحيح المسار' هشاشة الانتقال الديمقراطي في تونس وغياب الثقافة الديمقراطية المتجذرة لدى النخب. فقد تبين أن الديمقراطية لم تكن مطلباً مبدئياً للكثيرين، بل مجرد خيار تكتيكي فرضته توازنات القوى في مرحلة ما بعد الثورة.

أحد أهم الدروس المستخلصة هو غياب الحاضنة الشعبية للديمقراطية التمثيلية عندما تفشل في تحقيق منجزات اقتصادية واجتماعية. فالمواطن التونسي الذي عانى من الأزمات المعيشية، لم يجد دافعاً قوياً للدفاع عن مؤسسات برلمانية لم توفر له احتياجاته الأساسية.

على الصعيد الدولي، كشف الموقف الغربي عن براغماتية مفرطة تجاه التحولات السياسية في تونس. فالدول الكبرى ركزت على قدرة النظام على ضبط المجال الداخلي وتحقيق الاستقرار، دون اكتراث حقيقي بالقيم الديمقراطية التي كانت تروج لها سابقاً.

رغم الخطاب المكثف حول 'حرب التحرير' ومكافحة الفساد، إلا أن الواقع المعيشي للتونسيين لم يشهد تغييراً ملموساً. فالبنية الإدارية والتشريعية العميقة لا تزال تسوس الواقع بعقليات قديمة لا تتناسب مع الشعارات الثورية المرفوعة من قبل السلطة.

يواجه مشروع 'تصحيح المسار' اليوم تحديات تتعلق بتآكل شرعيته ومشروعيته مع مرور الوقت وتفاقم الأزمات. ومع ذلك، فإن غياب البديل السياسي القوي يجعل استمرار النظام الحالي أمراً مرجحاً في المدى المنظور، خاصة مع تشتت المعارضة.

ختاماً، تظل المعارضة التونسية عاجزة عن تقديم مشروع يتجاوز سقف ما قبل 25 يوليو، وهو سقف يفتقد للمصداقية لدى الشارع. وبناءً عليه، يبقى المشهد التونسي رهين صراع بين سلطة متمسكة بسرديتها ومعارضة لم تجد بعد طريقها لاستعادة ثقة الجمهور.

Tags

Share your opinion

مآلات 'تصحيح المسار' في تونس: بين طموح التأسيس الجديد وهشاشة الواقع السياسي

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.