يواجه القطاع الزراعي في دولة الاحتلال تحديات جسيمة تفرضها الظروف الراهنة، حيث تتضافر العوامل الاقتصادية والميدانية لتقويض استقرار هذا القطاع الحيوي. وأفادت مصادر اقتصادية بأن الحساسية العالية للصدمات جعلت المزارعين في مواجهة مباشرة مع آثار الحرب الجارية وتغيرات المناخ المتسارعة، مما يضع مستقبل الأمن الغذائي على المحك.
وتشير البيانات الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء إلى تراجع حاد ومستمر في القوى العاملة الزراعية على مدار العقود الماضية. فقد انخفض عدد العاملين من ذروة بلغت 126 ألف عامل في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 34 ألفاً في الآونة الأخيرة، وهو ما يمثل هبوطاً حاداً بنسبة تجاوزت 70%، مما يعكس عزوفاً متزايداً عن هذا النشاط.
وأكد مسؤولون في وزارة الزراعة الإسرائيلية أن نقص الأيدي العاملة بات يشكل العائق الأكبر أمام استمرارية الإنتاج، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية للحرب. ورغم محاولات سد الفجوة عبر التكنولوجيا، إلا أن الواقع الميداني يثبت حاجة ماسة للعمالة البشرية التي تأثرت مسارات وصولها واستقرارها بفعل العمليات العسكرية والتوترات الأمنية.
وتبرز أزمة الشيخوخة كتهديد إضافي، حيث يبلغ متوسط عمر أصحاب المزارع نحو 59 عاماً، وهي ظاهرة تثير القلق بشأن تعاقب الأجيال في هذا القطاع. وبحسب اتحاد المزارعين، فإن هذه المشكلة تتشابه مع أزمات زراعية في الاتحاد الأوروبي، لكنها في الحالة الإسرائيلية تتضاعف بسبب الظروف الجيوسياسية المعقدة التي تمنع استقطاب الشباب.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عمدت سلطات الاحتلال إلى زيادة حصص العمال الأجانب بشكل كبير، حيث قفزت التصاريح الممنوحة من 30 ألفاً قبل اندلاع المواجهات إلى نحو 70 ألف تصريح حالياً. ومع ذلك، لا يزال عدد العمال الفعليين على الأرض دون الطموحات، حيث وصل إلى 50 ألف عامل فقط، وهو ما لا يكفي لتغطية احتياجات المواسم الزراعية.
وعلى صعيد المناخ، حذرت مصادر رسمية من أن سنوات الجفاف باتت أكثر تواتراً، مما دفع دائرة الأرصاد الجوية للتنبؤ بانخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة تصل إلى 30% بحلول عام 2026. وقد اتسم العام الماضي بتراجع غير مسبوق في هطول الأمطار، مما أدى إلى تقليص مخصصات المياه العذبة للزراعة ووقف المشاريع الجديدة.
وتعاني البنية التحتية المائية من فجوات كبيرة، حيث يتم هدر نحو 130 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي المعالجة عبر صرفها في البحر بدلاً من استغلالها. ويعود هذا الهدر إلى غياب مرافق التخزين والنقل الكافية، في وقت يعاني فيه الشمال، الذي يعد سلة الغذاء الرئيسية، من تراجع مستمر في منسوب مياه بحيرة طبريا.
القطاع الزراعي الإسرائيلي يتسم بطبيعته الحساسة للصدمات، وهو مجبر اليوم على التعامل مع تعقيدات تفرضها الحرب وتغير المناخ وقوى السوق.
ولم تتوقف الأزمات عند الحدود الداخلية، بل امتدت لتشمل تداعيات إغلاق مضيق هرمز التي أدت لارتفاع جنوني في أسعار الأسمدة. وسجلت أسعار المواد النيتروجينية زيادة بنسبة 33%، بينما ارتفعت التكاليف العامة للأسمدة بنسبة 44% خلال أشهر قليلة، وهي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا.
ويرى خبراء في جامعة تل أبيب أن إنتاج الأمونيا، المكون الأساسي للأسمدة، يتأثر مباشرة بارتفاع أسعار الوقود الناتج عن التوترات البحرية. وبما أن السعودية تعد منتجاً رئيساً للكبريت الذي يمر عبر الخليج العربي، فإن أي تعطل في مضيق هرمز يعني بالضرورة نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً حاداً في تكاليف الإنتاج الزراعي الإسرائيلي.
وتشير التحليلات الأكاديمية إلى أن المحاصيل الحقلية، مثل الذرة، هي الأكثر تضرراً كون السماد يمثل ربع تكلفتها الإجمالية. ومع ارتفاع تكاليف النقل والمدخلات، أصبحت زراعة العديد من هذه المحاصيل غير مجدية اقتصادياً، مما قد يدفع المزارعين للتخلي عن مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة.
إن هذا التداخل بين الحصار البحري في هرمز والعمليات العسكرية الميدانية خلق بيئة طاردة للاستثمار الزراعي داخل إسرائيل. وتكشف التقارير أن الاعتماد الكلي على الاستيراد قد يصبح الخيار الوحيد في حال استمرار تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما يهدد بزيادة التضخم في أسعار السلع الغذائية الأساسية.
وفي وادي عربة، رغم تسجيل فيضانات قياسية، إلا أن سوء توزيع الأمطار لم يخدم القطاع الزراعي بشكل متوازن، حيث ظل الشمال يعاني من الجفاف. هذا التباين المناخي يفرض ضغوطاً إضافية على الميزانية العامة التي باتت مطالبة بتعويض المزارعين عن خسائرهم المتلاحقة نتيجة الكوارث الطبيعية والحروب.
وتؤكد مصادر من الكنيست أن اللجنة الاقتصادية تتابع بقلق تدهور القدرة التنافسية للمنتج المحلي أمام المستورد، خاصة مع ارتفاع تكاليف المياه والأسمدة. ويحذر أعضاء في البرلمان من أن إهمال هذا القطاع في ميزانيات الطوارئ سيؤدي إلى انهيار كامل في البنية التحتية الريفية التي تعتمد عليها عشرات التجمعات الاستيطانية.
ختاماً، يظهر المشهد الزراعي الإسرائيلي كأحد أبرز ضحايا التحولات الجيوسياسية في المنطقة، حيث لم تعد الحرب تقتصر على الجبهات العسكرية بل امتدت لتضرب مفاصل الاقتصاد اليومي. ومع استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية، يبقى المزارع الإسرائيلي في مواجهة خيارات صعبة بين الاستمرار في الخسارة أو الهجرة من الأرض.





Share your opinion
أزمة مركبة تضرب الزراعة الإسرائيلية: الحرب وإغلاق هرمز يهددان الأمن الغذائي