لم يعد المشهد السوري اليوم مقتصراً على هوية الحاكم الجديد، بل بات يتركز حول آليات الحكم وقدرة السلطة الناشئة على ردم الفجوة المتسعة مع المجتمع. فبعد أشهر من سقوط نظام الأسد، تبرز تساؤلات حادة حول المسافة بين وعود 'الدولة الجديدة' والواقع اليومي الذي يتسم بالهشاشة والقلق المتزايد في مختلف المحافظات.
تعيش محافظة السويداء حالة من الغليان نتيجة أزمة ثقة متصاعدة مع المركز، حيث لم يُنظر إلى قرار منع الطلاب من تقديم الامتحانات داخل المحافظة كإجراء إداري عابر. بل تحول الأمر إلى شرارة لنقاش أوسع حول مدى قدرة السلطة الانتقالية على احتواء الأزمات دون اللجوء إلى سياسات التهميش أو تعميق الانقسامات الداخلية.
في المقابل، يرزح الساحل السوري تحت وطأة الأسئلة المؤجلة والمخاوف من المستقبل، حيث يطالب السكان بمنظومة قانونية تضمن العدالة الشاملة. إن المجتمعات الخارجة من نزاعات دموية لا تكتفي بالاستقرار الأمني الهش، بل تنشد بناء عقد اجتماعي يشعر فيه الجميع بأن المحاكمات والانتهاكات لن تتحول إلى أداة لإنتاج الخوف مجدداً.
تشير القراءات الفلسفية للواقع السوري، استناداً إلى أطروحات حنة آرندت، إلى أن السلطة تفقد شرعيتها السياسية عندما تتحول إلى مجرد أداة لفرض الطاعة. إن الأزمة الراهنة تتجاوز فكرة توزيع القوة، لتصل إلى جوهر شكل الدولة وقدرتها على استيعاب المجتمع كشريك حقيقي في بناء المجال العام الذي صودر لعقود.
يواجه المجال العام السوري، الذي تنفس الحرية بعد سنوات الصمت الطويلة، محاولات جديدة للتضييق عبر خطابات متشددة أو إدارة الخلافات بمنطق الغلبة العسكرية. وهذا المسار يتناقض مع مفهوم 'الفعل التواصلي' الذي نظّر له يورغن هابرماس، حيث تُبنى مشروعية الدول الحديثة عبر الحوار والثقة لا عبر الأوامر الفوقية.
أثبتت تجارب المنطقة العربية أن الشعوب التي اختبرت الفعل الاحتجاجي والمشاركة السياسية لا يمكن إعادتها بسهولة إلى قوالب السلطة المغلقة. فالسوريون الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وحياتهم، يمتلكون حساسية مفرطة تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج أدوات القمع القديمة تحت مسميات الاستقرار أو الضرورات الأمنية.
بالتوازي مع التجاذبات السياسية، يبرز الانهيار الاقتصادي كأكبر تهديد لاستقرار المرحلة الانتقالية، مع الارتفاع الجنوني في أسعار المحروقات وتدهور الخدمات الأساسية. هذا العجز المعيشي يدفع المواطن السوري للتساؤل بمرارة عن الوجهة الحقيقية التي تسير نحوها البلاد في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة ومنقذة.
السلطة تفقد معناها السياسي حين تتحول من فضاء للمشاركة العامة إلى أداة لإدارة الخوف والطاعة.
تثير التحركات الدبلوماسية الأخيرة، وخاصة التقارب السوري مع بعض العواصم العربية مثل أبوظبي، تساؤلات حول طبيعة هذا الدعم وأهدافه. فهل تهدف هذه الجهود حقاً إلى الاستثمار في بنية الدولة وإعادة إعمارها، أم أن سوريا تتحول إلى ساحة لتسويات النفوذ والصفقات التجارية تحت غطاء البحث عن الهدوء؟
بدأ الحذر يتسرب أيضاً إلى الأروقة الأوروبية التي كانت تأمل في أن يشكل التغيير السياسي بوابة لعودة اللاجئين وإعادة الإعمار. فالمؤشرات الحالية لا تعكس توجهاً جاداً نحو بناء المؤسسات، بل تظهر تقدماً لشبكات النفوذ غير الرسمية التي تعمل خارج إطار القانون، مما يعيق أي تدفقات مالية أو استثمارية حقيقية.
استحضار الفكر الخلدوني يبدو ضرورياً لفهم اللحظة الراهنة، حيث أن الدول تنهار عندما تفقد قدرتها على إنتاج المعنى المشترك والعدالة بين الحاكم والمحكوم. إن خطر 'العمران' في سوريا لا يهدده الفقر وحده، بل يهدده غياب الثقة التي تعد الركيزة الأساسية لأي كيان سياسي يطمح للبقاء والاستمرار.
إن سوريا التي غادرت حقبة من أكثر الحقب دموية، تجد نفسها اليوم أمام تحدي تحول 'الخوف' إلى بنية حكم مستدامة تُدار باسم الحفاظ على الأمن. فإذا عجزت السلطات الجديدة عن تحويل الدولة إلى مساحة للقانون والمواطنة، فإن خطر إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة سيظل قائماً ومهدداً.
تتطلب المرحلة الانتقالية قدراً عالياً من التوازن والحذر في التعامل مع الملفات الحساسة مثل العدالة الانتقالية وحقوق الأقليات. إن أي انحراف نحو منطق الانتقام أو الإقصاء سيؤدي بالضرورة إلى إجهاض حلم الدولة التي خرج السوريون من أجلها، وسيحول النصر السياسي إلى فشل مؤسساتي ذريع.
لا يكفي إسقاط الأنظمة الشمولية لتحقيق الحرية، بل يجب أن يتبع ذلك بناء هيكلية إدارية وسياسية قادرة على استيعاب التنوع السوري الفريد. إن الفشل في بناء 'دولة المؤسسات' هو الخطر الحقيقي الذي يواجه الثورات، حيث يمكن أن تضيع التضحيات في دهاليز الفوضى أو في قبضة سلطات الأمر الواقع.
في الختام، يبقى الرهان على وعي المجتمع السوري وقدرته على مقاومة التغول الجديد للسلطة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها. إن بناء الدولة هو عملية تراكمية تتطلب إرساء قيم الشفافية والمحاسبة، وهي الطريق الوحيد لضمان عدم تحول سوريا إلى ساحة صراع دائم على النفوذ والمصالح الضيقة.





Share your opinion
سوريا في مخاض التأسيس: هل تنجح القوى الجديدة في عبور فخ 'سلطة الأمر الواقع'؟